يبدو في ظاهر الأمور مفاجئاً أن يفوز في أول انتخابات رئاسية ديمقراطية مفتوحة في تونس، الوزير الثمانيني السابق الباجي قائد السبسي. وكان الشباب التونسي قد افترش، قبل أربع سنوات، الطرقات في ثورة عمت البلاد، وأطاحت بنظام حكم الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، الذي استمر لثلاثة وعشرين عاماً.

وأسفرت الانتخابات الأولى التي أعقبت سقوط الحكم، عن فوز سهل لجماعة الإخوان المسلمين التي كانت محظورة في السابق. وها هي تونس يتولى رئاستها اليوم محارب قديم، شغل منصب وزير الداخلية في حكومة الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة، الذي حكم البلاد لثلاثين عاماً بعد الاستقلال عن فرنسا عام 1956. إلا أن السبسي انتقص من أهمية دوره كوزير للداخلية في زمن القمع، وشدد على سجله كرئيس وزراء سلمي مؤقت لعشرة أشهر أعقبت أحداث ثورة الربيع العربي عام 2011.

وقد اعتبر حزب حركة «نداء تونس»، الذي ينتمي إليه السبسي، بالنسبة لبعض الناخبين، مطعّماً بنكهة النظام القديم، على الرغم من أنه فاز بنسبة 56 في المئة من الأصوات على خصمه الناشط في مجال حقوق الإنسان، منصف المرزوقي، الذي نزل أنصاره إلى الشارع بعد إعلان المتحدث باسم حركة «نداء تونس» النتيجة، وقبل أن يعلن لاحقاً أنه يقبل بها.

ويسير كل من البرلمان والرئيس التونسي حالياً على النسق ذاته، وذلك بعد أن أصبح «نداء تونس» الكتلة الأكبر في البرلمان، الذي يضم مجموعة من الأعضاء السابقين لحزب بن علي، ونواب غير منتمين لأحزاب تريد إنقاذ ما تعتبره النواحي الأفضل لحكم بورقيبة، المتمثلة بالفعالية والقيم العلمانية.

أعلن حزب حركة «نداء تونس» ترشيحه وزير الداخلية السابق الحبيب الصيد لتولي رئاسة الحكومة في البلاد خلال السنوات الخمس المقبلة، حيث ادعاءات الحزب بالدفاع عن الحريات والانفتاح سرعان ما ستخضع للاختبار، لا سيما بعد أن بدأت «هيئة الحقيقة والكرامة» التحقيق في حوادث الإساءة السابقة لحقوق الإنسان. وكانت الهيئة قد تعرضت لصدّ الحراس ومنعها من الحصول على بعض الملفات الرئاسية.