احتشد قرابة ثلاثة ملايين شخص في فرنسا، أخيراً، تعبيراً منهم عن مساندة حرية التعبير، ووقوفاً في وجه الاعتداءات التي حصلت على مكاتب صحيفة «شارلي إيبدو» الساخرة، رغم استمرار الصحيفة في نشر الرسوم التي تسخر من المسلمين، والتي أثارت ردود فعل قوية، رغم تضامن العالم مع الصحيفة. وقد انضم للتظاهرة عشرات من قادة العالم، في حدث شكل تأكيداً عالمياً، ليس على ضرورة حرية التعبير وحسب، بل على القيمة الأعمق التي ينطوي عليها، والمتمثلة بالقيمة الجوهرية لكل فرد، بغض النظر عن آرائه.

وقاربت أعداد الجماهير، التي افترشت شوارع فرنسا تلك، التي تجمهرت بعد تحرير باريس عام 1945 من قوات التحالف. ويعكس ذلك عدد الأشخاص الساعين اليوم للحفاظ على فكرة أن الكرامة الإنسانية أمر فطري كامن في الكائنات البشرية، وهي تتجاوز الظروف الاجتماعية أو المادية، وحتى مستوى الذكاء والمبادئ الأخلاقية للفرد. إنها، في الواقع، من الأهمية بمكان، حيث انضمت جميع الدول من شتى الخلفيات السياسية والثقافية والدينية، بعد الحرب العالمية الثانية، إلى توقيع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي تبنته الأمم المتحدة عام 1948، وينص على أن «كل الكائنات البشرية قد ولدت حرة ومتساوية في الكرامة والحقوق».

لقد حصلت الجرائم الإرهابية في باريس عقب تهديدات أو اعتداءات مماثلة طالت آخرين ممن تعتبر آراؤهم هجومية، من قبل بعض المجموعات. وقد قامت كوريا الشمالية عام 2014 بالتسلل إلى حواسيب شركة «سوني»، التي قامت بإنتاج فيلم «المقابلة» الكوميدي، الذي تناولت مشاهده رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون، كما عمدت حركة طالبان إلى استهداف ملالا يوسف زاي، الناشطة الباكستانية في حقوق الإنسان، والحائزة جائزة نوبل للسلام عام 2014، واغتيل مخرج ألماني لإخراجه فيلماً عن النساء، إضافة إلى أمثلة لا تحصى عبر التاريخ من حالات التهديد، والقتل، وإهدار دماء أصحاب الرأي الآخر.

ويفرض العديد من الحكومات قيوداً على حرية التعبير، في حين يحرص قادة الأنظمة الديمقراطية على الحدّ من الخطابات التي تنطوي على أذية واضحة بحق الفرد، مثل التشهير أو التهديد بالعنف. ويتعين على كل مجتمع أن يتمسك بحرية التعبير، وحماية الأقليات وآرائهم.

غالباً ما تكون النزاعات السياسية والقانونية حول حرية التعبير صراعاً على تحديد مفهوم الكرامة، والكرامة يتم تعريفها في الأساس، من الباطن، على أنها تعبير عن الصفات التي نعتبرها جيدة، وهي لا تعنى بتصرفات الفرد على قياس المعايير الخارجية. فيما عدا ذلك، فإن الناس يعرّفون الكرامة على أنها شيء يمنح لهم من الخارج، على نحو الاحترام، وتحسين مستوى الحياة المادية، إلا أن ذلك يعتمد على حكم الآخرين وإجماع المجتمع.

وقد لجأ منفذو عملية باريس إلى العنف للانتقام بأيديهم من اعتداء رسوم «شارلي إيبدو» الكاريكاتيرية على كرامة ديانتهم، الإسلام. إلا أن الإسلام، كما المسيحية، والأديان والمعتقدات الأخرى ينطوي على تعاليم القيمة الفطرية للإنسان وكرامته في نظر الخالق عز وجل. ولا يمكن للمصداقية الروحية أن تتعرض لأذى التعبير الآتي من الخارج. لا يجب بالضرورة إبداء الاحترام للرسوم، لكن الرسامين يتمتعون بحق الحفاظ على حياتهم.

شكلت تظاهرات باريس رسالةً إلى كل الذين قد يعتقدون أن كرامتهم يمكن الانتقاص منها، ولو من خلال تعبير فني ساخر، سواء كان فيلماً أو رسماً ولكن بحدود، وأثبتت أن قيمة الإنسان من المعطيات المسلم بها.

كلام مسؤول

عادةً ما تدرك المحاكم في الدول الحرة أن حماية الكرامة الفطرية للفرد، تساعد في أن تكون السبب في إعلاء شأن كرامة الآخرين، أو كما وصف الأمر أنطوني كينيدي، قاضي المحكمة العليا للولايات المتحدة الأميركية في حديث أجراه، أخيراً، حيث قال: «يعلم غالبية الأشخاص في أعماقهم أنهم يتمتعون بالكرامة، ويفرض عليهم ذلك واجب احترام الآخرين».