يرغمنا الاعتداء على المجلة الساخرة شارلي إيبدو على اتباع نهج الوضوح والتوافق، ولا بد من إدانة مطلقة لما حصل في باريس. هكذا كان لسان حالنا بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، وعقب أحداث بالي ومالي.

وحادثة إيبدو صورت وجود حرب بين الإسلام والغرب، لكن من الأهمية بمكان أن نكون واضحين حيال موقفنا، ذلك أن المعتدين قالوا أموراً لا يمكن السماح بأن تمر مرور الكرام. لقد قالوا إنهم ينتقمون للرسول، وهذا خاطئ، إذ أن تصرفهم قد غدر بالإسلام، ولطّخ رسالته ومبادئه وقيمه، وما الاختباء وراء الإسلام سوى حجة لتبرير فعلتهم. من وجهة نظر دينية، أشعر أن مسؤوليتي تقتضي التوضيح بأن ما أقدم عليه المعتدون لا يمتّ لرسالة الدين الإسلامي بصلة، وأتوقع من أي شخص أن يتخذ موقفاً إذا حدث أي شيء باسم بلده أو دينه، أشعر أنه عليّ كمسلم اتخاذ هذا الموقف.

المعادلة السياسية

وتنطوي المعادلة على منحى سياسي أوسع نطاقاً. فنحن ندين ما حصل في فرنسا، والاعتداءات المستهدفة للغربيين. إلا أن هؤلاء ليسوا وحدهم المستهدفين. إنه مجرد ردّ فعل نبديه إزاء مقتل اثني عشر شخصاً، لكن المئات يقتلون يومياً في سوريا والعراق، ولا نزال نلقي المزيد من القنابل. علينا أن ننظر إلى الصورة الشاملة، الحياة قيّمة، لكن من المهم التوضيح أن حياة المسلمين في البلدان ذات الأغلبية المسلمة تحمل الأهمية ذاتها لحياتنا هنا في الغرب.

إن ما حصل، أخيراً، مأساة صعّد من حدتها النفحة الاعتيادية لتلقي الأمور. وكنت قد التقيت رسام الكاريكاتور ستيفان شاربونييه، مدير الصحيفة، الذي كان في عداد ضحايا الاعتداء الأخير، وجرى بيننا نقاش أكدت له فيه أني أحترم حرية تعبيره، وأن ليس هناك ما يبرر أي نوع من الرقابة. لكني أبلغته ضرورة اعتماد الوضوح في طريقة استخدامه لذاك الحق، سيما وأن الصحيفة قامت بطرد أحد الرسامين، عقب نشر رسمٍ كارتوني ساخر يطال علاقات ابن الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، بحجة وجود حدود لحرية التعبير. وأقل ما يمكن قوله هنا إن الازدواجية المتبعة كانت مزعجة.

أشعر بالصدمة حيال حدوث أمر بهذه الفظاعة لـ«شارب» وزملائه، لكني متفاجئ إزاء التراخي حيالهم. هناك جدلٌ قائم حول شارلي إيبدو منذ حوالي ستة أشهر، والعديد من التهديدات. لا بأس بالقليل من حسّ الفكاهة، قلت لهم، لكن استهداف شعب موصوم أصلاً في فرنسا، لا يدل على الكثير من الشجاعة.

التوتر سيد الموقف

تسود التوترات عدداً من البلدان، إلا أن الظروف باتت من الصعوبة بمكان، أخيراً، هنا في فرنسا. وشهدت الفترة الأخيرة نشر كتابين يعكسان الوضع السلبي والمحبط في البلاد: الأول بعنوان «الانتحار الفرنسي»، ويعرب فيه الكاتب إريك زيمور الخوف من استعمار ملايين المسلمين لفرنسا وتغيير وجهها. ويتوقع الكاتب ميشال هويلبيك في كتابه «الإذعان» أن يتولى أحد الأحزاب المسلمة السلطة في فرنسا، في العام 2022.

أما في بريطانيا فالوضع أفضل حالاً، في إطار الحياة اليومية، إلا أن هناك شعوراً بأنها متجهة للأسوأ. وليس من وليد الصدفة أن يواصل حزب استقلال المملكة المتحدة صعوده، حيث يلاحظ المرء، في ظل الأجواء السائدة، تغيراً في الخطاب الشعبي. يجب أن نتحلى بمسؤولية وقف جنوح بعض الأحزاب نحو استهداف المهاجرين والمسلمين. وينبغي على السياسيين والمفكرين والصحافيين والمسلمين وأتباع المعتقدات الأخرى أن يتبنوا نهجاً من الوضوح والتوحد حول مبادئنا المشتركة. نريد من السياسيين أن يفكروا بما يتخطى الفوز في الانتخابات المقبلة.

يمكن للمرء استشراف أيام صعبة مقبلة، بناءً على ما أظهرته أحداث الماضي الدرامية في فرنسا. أضف إلى إمعان المؤسسات الإعلامية في نشر أكثر رسومات إيبدو عدائية، مدعين أنها توجه ضربة لحرية التعبير. إني أدعم حرية التعبير، لكن أحثهم عن الكفّ عما يفعلوه، لأن ما يخططون له لا يتحلى بالشجاعة، ولا يؤمّن كرامة الإنسان. بل إنه يشكل مثالاً آخر على استهداف المسلمين، ويقول إنه إن لم يدخل مواطنو البلد الواحد من المسلمين في المعادلة، فإننا لن نستهدف المتشددين وحسب بل الإسلام ككل. وهم يحققون بذلك نصراً للمتشددين، ما كانوا لينجزوه بأنفسهم.

تبنٍ مغلوط

وصفت حادثة إطلاق النار على مجلة شارلي إيبدو بالعمل الحربي، وأستطيع أن أفهم السبب، لكن من غير الصواب توصيف الأمر على هذا النحو. أوليس هذا ما يبتغيه التنظيم المتشدد المعروف بـ«داعش»؟ إنه يريد أن يصوّر أن الغرب يشن حرباً على الإسلام، لكنا بتبنينا موقف تلك الجماعات الهامشية، واستخدامها كدليل على وجود حرب بين الغرب والإسلام، فإننا نقع في الفخ. وهذا ما وقع به الرئيس الأميركي السابق جورج بوش عقب أحداث 11 سبتمبر. لكن أقصى ما يسعنا قوله بصورة معقولة اليوم، هو أننا في حرب مع المتشددين من أي جهة أتوا. لكن لماذا ندخل تلك اللعبة؟ لأنه، ولنكن محددين، يستغل أولئك المجرمون الإسلام، حيث الغالبية العظمى من الضحايا من المسلمين.