أربك الرئيس الأفغاني أشرف غني، المعروف بحدة طبعه أحياناً، الدبلوماسية الغربية، أخيراً، حين طلب على نحو مفاجئ من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أي الهيئة المسؤولة عن إدارة مئات ملايين الدولارات من المانحين الغربيين لإدارة قوة الشرطة، أن يتنحى عن مسؤولياته حيال نظام التمويل الخاص بأفغانستان خلال ستة أشهر على الأقل.

ويبدو أن غني يظن أن الحكومة الأفغانية، على الرغم من تاريخها المتجذر في الفساد، قد تبلي بشكل أفضل، مسجلاً اعتراضه على إنفاق البرنامج مبالغ إضافية في إدارة الأموال. ويبدو غني مصمماً على المضي بسرعة نحو إظهار نفسه كقائد جريء رؤيوي. إلا أن تحويل التمويل، المعروف بنظام صندوق الائتمان، سيجعله عرضةً حتماً لنوع من السرقة الروتينية السائدة في الوزارات الأفغانية، على امتداد عقد من الحروب.

كذلك صدرت، في سبتمبر الماضي، عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، انتقادات على لسان المفتش العام المشرف على التمويل الأميركي لإعادة بناء أفغانستان، حيث أرسل كتاباً حذر فيه من أن البرنامج قد عجز عن التعامل مع عملية الاحتمال المشتبه في أن يكون وراءها مسؤولون في وزارة الداخلية الأفغانية قاموا باقتطاعات «مشبوهة » من رواتب أفراد الشرطة.

ويذكر أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد دفع، منذ يناير 2011، ما يزيد على 1.62 مليار دولار، استخدمت بمجملها في تغطية رواتب وتعويضات رجال الشرطة الأفغانية. وقد ساهمت الولايات المتحدة وحلفاؤها بأكثر من 3.1 مليارات دولار منذ العام 2002. ويقول دبلوماسيون غربيون إن هيئة الأمم المتحدة قد أبلت حسناً، نوعاً ما، في إدارة الأموال.

ويفهم غني، الذي كان يشغل منصب مسؤول تنفيذي في البنك الدولي، كيف تدار أموال المانحين. ولقد تحدث بشكل صريح ومؤثر عن الحاجة لمجابهة الفساد في أفغانستان، إلا أنه لا يزال يتوجب عليه أن يقترح بديلاً مقبولاً لتحسين عملية توصيل وإنفاق المساعدات الغربية للبلاد.

ويتعين على غني، الذي تسلم مقاليد الحكم في سبتمبر الماضي، من أجل تنفيذ ذلك أن يصب تركيزه أولاً على تشكيل حكومة مناسبة، إذ إن الوزارات المتعلقة بالشؤون الأمنية في أفغانستان لا تزال من دون قادة ثابتين وأقوياء للقيام بمهامهم. كما يتعين عليه أن يطلق عملية المفاوضات، التي قد تؤدي إلى رسم معالم عملية تسوية مع حركة طالبان، وهو هدف لم يتمكن سلفه الرئيس الأفغاني السابق حامد قرضاي من تحقيقه. ويبدي معظم الأفغان، بعد أن أنهكهم القتال لسنوات، دعمهم لعملية السلام.

وأظهر استطلاع، أجرته وزارة الخارجية الأميركية في أواخر أكتوبر الماضي، أن عدداً متزايداً من الأفغان يحبذون إصدار عفو شامل عن قادة حركة طالبان، وذلك وفقاً لملخص للنتائج كانت صحيفة «تايمز» البريطانية قد حصلت عليه، ولم يكشف عن مضمونه سابقاً. وبينت نتيجة الاستطلاع أن 66 بالمئة من الأفغان يستجيبون للعفو عن المتمردين، إذا كان ذلك يمهد السبيل إلى توقيع اتفاقية سلام. وجاء دعم 62 في المئة من النساء للفكرة كأمر صاعق، وذلك في نسبة ارتفعت عن معدل 45 في المئة عام 2010.

إن نوع الاتفاق، الذي يمثل الأمل الوحيد لوضع حد حقيقي للحرب في أفغانستان، يتسلم القيادة بلباقة في كابول. إلا أن رغبة غني في لفظ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بهذا الشكل المتسرع لا يوحي بالثقة بأنه يرسي أولويات المهمة الصعبة بالشكل الصحيح.

الفوز الصوري

على قدر ما تغري فكرة انحسار الحرب في أفغانستان الكثيرين، لا تزال الولايات المتحدة تتخبط في الصراع، على الرغم من احتفال الرئيس الأميركي باراك أوباما بالنهاية الصورية للحرب هناك، وإطلاقه وعوداً متفائلة لا أساس لها بأن أفغانستان «لن تكون مصدراً للهجمات الإرهابية مجدداً.» وقد اختارت الإدارة الأميركية مواصلة العمليات العسكرية الأساسية هناك، والتزمت الاستمرار بإنفاق مليارات الدولارات لتعويم القوات الأمنية الأفغانية الناشئة.