قتل ما يزيد عن 76 ألف شخص في سوريا العام الماضي، وتم قصفهم بالبراميل المتفجرة، وتعرضوا للقنص أثناء البحث عن طعام، أو للتعذيب في السجون التابعة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد. لذا يشعر الكثير من السوريين والأكراد بما يكفي من اليأس ليدفعهم إلى المخاطرة بحياتهم على متن سفن عتيقة صدئة عابرة للمتوسط.

يمكن لسفينة المهاجرين المهربين التي تحدثت عنها الأخبار، أخيراً، أن تكون محملة بالطلاب والأطفال السوريين، وقد هجرها طاقمها وتم تثبيت الربان الآلي على مسار اصطدام بالسواحل الإيطالية. وكانت العبارة المسجلة لدى السلطات المولدوفية على مسافة 45 دقيقة من وقوع الكارثة، عند وصول قوات الإنزال الإيطالية إليها. إلا أن الأمر الأكثر إثارة للقلق حول سفينة «بلو سكاي إم»، وسفينة أخرى كانت قد تعرضت لمشكلات مشابهة قبالة السواحل الإيطالية في وقت لاحق، هو أنها تعكس على ما يبدو تكتيكاً خطيراً جديداً للمهربين.

وكانت الحكومة الإيطالية قد أعلنت، أخيراً، إنهاء عمليات «بحرنا» أو ما يعرف بـ«ماري نوسترم»، للتفتيش والإنقاذ، التي وضعت في محاولة لإنقاذ حياة ألوف المهاجرين. وتعرض أكثر من ثلاثة آلاف شخص للغرق العام الماضي في مياه المتوسط، على الرغم من إنقاذ العدد الأكبر من خلال عمليات البحث والإنقاذ. وكشفت الإحصائيات في هذا الصدد أرقاماً مذهلة: قامت البحرية الإيطالية بتغطية ما مساحته 27 ألف ميل بحري مربع، ونفذت 421 عملية، وأوقفت خمس سفن، وألقت القبض على 330 متاجرا بالبشر. وأسفرت النتيجة النهائية عن إنقاذ 150,810 مهاجرين، بمعدل 400 شخص في اليوم.

مخطط المهربين

يستخدم المهربون سفناً مهترئة لا تساوي الكثير، ويكدسون فيها أعداداً من الركاب، على غرار سفينة «بلو سكاي إم» التي خسرت شهادة الأمان، أخيراً. وكان هناك حوالي 800 مهاجر على متنها، معظمهم من السوريين والأكراد، حين اتصل أحدهم عبر اللاسلكي طلباً للنجدة، قائلاً إن الطاقم قد غادر السفينة. وفي مصادفة غريبة، ذكرت السلطات الإيطالية أنها اعتقلت أربعة أشخاص تعتقد أنهم القبطان والطاقم، وتقول إنهم ادعوا بأنهم لاجئون.

وكانت عبارة أخرى، في هذه الأثناء، تحمل اسم «عز الدين» على مسار اصطدام بالسواحل الإيطالية، إلا أن الوقود نفد منها، وعلى متنها 360 لاجئاً، من بينهم أطفال ونساء حوامل متروكون لمصيرهم في عرض البحر. وكانت «عز الدين»، التي يزعم أن الطاقم قد غادرها، قد شيدت منذ حوالي نصف قرن، وكانت تستخدم في السنوات الأخيرة لنقل الماشية. وقامت سفن مراقبة السواحل الإيسلاندية بسحب السفينة وإيصالها للبر، في عملية إنقاذ هي الرابعة لها، منذ انضمامها لعمليات «ترايتون» للإنقاذ، أخيراً. ويعمد المهربون إلى التلاعب بحياة الناس على متن السفن، ويجنون في الوقت عينه أموالاً طائلة تمكنهم من الهرب، وإرغام السلطات الإيطالية على إطلاق مهمات إنقاذ.

قلب المشكلة

ويعتبر القول إن عمليات «ماري نوسترم» كانت «تشجع» المهاجرين فكرة خاطئة ومقيتة، إذ إن عامل «الجذب» الفعلي هو الحرب في سوريا، وسيادة حالة الذعر الدائم في إرتيريا، الواقعة في شرقي إفريقيا. وقد بلغ عدد المهاجرين في هذين البلدين نصف إجمالي عدد المهاجرين، الذين حاولوا عبور المتوسط العام الماضي.

يصعب علينا أن نتصور، ونحن جالسون في منازلنا الدافئة، مدى يأس أولئك المهاجرين. ويشكل اللجوء أحد أكثر الأمور مهانة للإنسان، حيث يصبح رقماً في المعادلة، وليس فرداً يمكن التعاطف معه، بل مجرد رمز لمشكلة لا نود معالجتها. والأمر الوحيد الذي يمكن أن يوقف تدفق اللاجئين هو القدرة على العيش بأمان في بلدانهم.

حين نفكر بشوارع دمشق وحمص الممزقة ومنازلها المهدمة، تعود إلى الذاكرة مشاهدات تاسيتس، الذي قال لأحد الزعماء المحاربين للرومان: « يجعلون المكان صحراء ويسمونه سلاماً.» هذا ما يفعله نظام الأسد في سوريا، ولا ينبغي لنا أن نسمح للاتحاد الأوروبي أن يعتمد نظام بحث وإنقاذ من الدرجة الثانية يعرض المصابين لخطر الغرق.

التهريب والتكاليف

كلفت عمليات الإنقاذ بالنسبة للحكومة الإيطالية المفتقرة للمال مبالغ طائلة، حيث كان 900 فرد من القوات المسلحة ينفذون العمليات يومياً، إضافةً إلى 32 وحدة بحرية، وغواصتين تتناوبان على العمل. وقرر الإيطاليون أنهم لا يستطيعون تحمل نفقات تمويل العملية. ومن المنصف القول إنه يصعب تخيل السبب، الذي قد يحدو بدولة أن تأخذ على عاتقها تحمل مسؤولية هذا العبء الهائل منفردةً.

أما المشكلة الحقيقية، حسب ما أشارت منظمات اللاجئين العام الماضي، فهي أن بعثة الاتحاد الأوروبي، التي حلت محلها كانت تعمل على نطاق أضيق. وبلغت ميزانية عملية «ترايتون» أقل من ثلث ميزانية «ماري نوسترم»، واقتصرت مهامها ضمن رقعة امتدت على 30 ميلاً فقط من السواحل الإيطالية، وأغفلت مساحات أخرى واسعة. كما أنها، وفقاً لما تبين، أخيراً، جعلت من البحر المتوسط مكاناً أسهل لممارسة عمليات التهريب.