سيبقى تنظيم «داعش» وسط أزمة متصاعدة في الشرق الأوسط هذه السنة، كما كان الوضع عليه في عام 2014، كما ستبقى الأراضي التي اجتاحها في سلسلة من الحملات الخاطفة الصيف الماضي بالكامل تقريباً تحت سيطرته، على الرغم من خسارته بعض المدن للأكراد والميليشيات الشيعية، أخيراً.
وقد تكون الضربات الجوية الأميركية التي بدأت في العراق منذ 8 أغسطس الماضي، وفي سوريا بدءاً من 23 سبتمبر الماضي، أبطأت تقدم «داعش» وألحقت بقواته خسائر فادحة في بلدة عين العرب، لكن للتنظيم جهاز دولة خاصاً به، ويقوم بتجنيد عشرات الألوف من المقاتلين، مما يمكنه من القتال على جبهات متعددة من الحدود العراقية مع إيران إلى ضواحي حلب في سوريا.
وفي غرب سوريا، يشكل «داعش» قوة متنامية مع خسارة الحكومة السورية الميزة المتمثلة بمحاربتها معارضة مشرذمة ومجزآة، حيث أن هذه المعارضة تتحد الآن تحت قيادة «داعش» وجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة.
والتقليل من شأن قوة «داعش» كان الخطأ الثالث بين ثلاثة أخطاء كبيرة اقترفها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون في سوريا منذ عام 2011..
وهي أخطاء عززت النمو الهائل لتنظيم «داعش». وبين عامي 2011 و2013، كانت هذه الأطراف مقتنعة بأن الرئيس الأسد سوف يسقط بالطريقة نفسها التي سقط بها الرئيس الليبي معمر القذافي في ليبيا. وعلى الرغم من التحذيرات المتكررة من الحكومة العراقية، فإن واشنطن لم تقبل بالأفكار القائلة إن الحرب المستمرة في سوريا من شأنها أن تخل بتوازن القوى في العراق، وتؤدي إلى استئناف الحرب الأهلية هناك.
فإلى أي حد تغير الوضع السياسي والعسكري اليوم؟
لدى «داعش» المزيد من الأعداء، لكنهم ما زالوا منقسمين على أنفسهم، والاستراتيجيات الأميركية السياسية والعسكرية تشير إلى اتجاهات مختلفة. كما أن الضربات الجوية الأميركية غير حاسمة حقاً إلا عندما يكون هناك تعاون وثيق مع القوات على الأرض..
وهذا الأمر حدث في عين العرب من منتصف أكتوبر الماضي، عندما قرر البيت الأبيض في الدقيقة الأخيرة أنه من غير الممكن أن يسمح لـ «داعش» بإذلاله من خلال الفوز بنصر آخر. فتحول المقاتلون الأكراد السوريون الذي يقاتلون «داعش» فجأة من كونهم «إرهابيين» إلى كونهم حلفاء مهددين بالتصفية.
وكما كان الوضع في أفغانستان عام 2001، وفي شمال العراق عام 2003، هناك حاجة لوجود مسؤولين من ذوي الخبرة في الخط الأمامي، قادرين على توجيه هجمات الطائرات من أعلى، إذا أريد لتلك الضربات أن تكون فعّالة.
تحول ميداني
وعندما بدأ القصف على «داعش» في سوريا، شعرت الحكومة في دمشق أن الأمر سيكون لصالحها. وفيما قد تكون الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون والثوار السوريون وتركيا، بالغوا في محاولة الحصول على مزايا من الوضع القائم في سوريا خلال الفترة 2011 إلى 2013، فإن الحكومة السورية حاولت القيام بالشيء نفسه السنة الماضية، من خلال السعي إلى حل عسكري للحرب فقط.
ولم تحاول أبداً توسيع قاعدتها السياسية جدياً في الداخل من خلال عروض ذات مصداقية لتقاسم السلطة، معتمدة بدلاً من ذلك على مؤيديها للاستمرار في القتال، لكن أولئك المؤيدين مرهقون من الصراع لعدم رؤيتهم نهاية في الأفق.
وكان تنظيم «داعش» قد حقق انتصارات في العراق خلال 2014، مستفيداً من حالة التهميش للمجتمع العربي السني العراقي. فهل بإمكانه أن يشن هجوماً مفاجئاً آخر كما فعل في يونيو الماضي؟ سيكون الأمر صعباً خارج المناطق ذات الأغلبية السنية، على الرغم من أنه قد يحرض على انتفاضة في الجيوب السنية في بغداد، ربما بنتائج كارثية على السنة الباقين في العاصمة.
ومع معاناة الداعمين الأساسيين لسوريا من انهيار أسعار النفط، فإن ذلك سيجعلهما أكثر انفتاحاً على حل وسط لاقتسام السلطة في سوريا، لكن ليس واضحاً بأي حال من الأحوال أن حلولاً وسطاً يجري عرضها كصفقة من جانب الغرب وحلفائه. وهذا قد يكون خطأ، حيث إن المواجهة الكبرى بين السنة والشيعة على امتداد العالم الإسلامي لن تقررها مشكلات الميزانية في النهاية.
ووحدات الميليشيات الشيعية العراقية التي انسحبت من سوريا لمحاربة «داعش» في العراق يمكنها دوما أن تعود ويجري تعزيزها. و«داعش» يعزز قوته في سوريا بواقع أن الغرب وتركيا والحلفاء الآخرين يسعون لإسقاط الأسد عدو «داعش» الرئيسي، كذلك للإطاحة بتنظيم «داعش» نفسه.
وتبقى الكراهية المتبادلة بين أعداء «داعش» الورقة الأقوى لهذا التنظيم.
ميزة مفقودة
كانت الحكومة السورية دوماً تعاني نقصاً في القوات القتالية، وهذا الضعف أصبح أكثر وضوحاً، حيث باتت تستدعي المزيد من جنود الاحتياط، وتحول المجندين إلى الجيش النظامي. وفيما تحقق القوات الحكومية مكاسب حول حلب ودمشق، فإنها تفشل في الحفاظ على مواقعها جنوب العاصمة وفي محافظة إدلب.
ولطالما استمد الأسد مزايا سياسية في الداخل والخارج من هيمنة «الإرهابيين» على الثوار السوريين، الذين يخشى منهم الغرب. لكن هيمنة «داعش» وجبهة النصرة تعني أن الجيش السوري يفقد ميزته في كونه قوة وحيدة في مواجهة عدو مفكك من 1200 فصيل مختلف. وفشل القوات الحكومية في شن هجوم متوقع لإعادة السيطرة على الأجزاء التي يسيطر عليها الثوار في حلب يشكل إشارة إلى هذا الضعف الضمني.

