تسير بخطوات متثاقلة نحو غزة، منطلقاً من منشأة إسرائيلية توظف التقنية الفائقة، عبر ممر على شكل قفص، لتصل بعد نحو 15 دقيقة إلى مركز حدودي فلسطيني متداع، ومن ثم تستكمل الإجراءات الرسمية، وتنطلق عبر الغبار ورائحة العفن، التي تفوح من مياه الصرف الصحي، وتمر بمبان متداعية، وعربات تجرها الحمير، لتصل في نهاية المطاف إلى لا مكان.

فغزة مقصية، وعدد قليل جداً من الناس يدخل أو يخرج من هذا الجيب الذي تبلغ مساحته 140 ميلاً مربعاً. ومعظم الناس يريدون نسيان أمره. والحدود مع مصر مغلقة منذ أكتوبر الماضي. وهناك مجموعة صغيرة من المسافرين يتحدثون عن متاهة التفتيش عند مركز الحدود الإسرائيلي.

وهناك حرب أخرى ينتظر وقوعها في غزة. والحرب الأخيرة لم تغير شيئاً، فقد قتل مزارع فلسطيني بالرصاص قرب الحدود، ويجري اختبار إطلاق صواريخ حماس. ويزداد التوتر حدة، أما مشروع قرار مجلس الأمن في الأمم المتحدة الذي دافع عنه الرئيس الفلسطيني محمود عباس للحصول على انسحاب القوات الإسرائيلية من الضفة الغربية بحلول 2017 فكان بمثابة عرض جانبي تفصيلي فشل في تحقيق أهدافه.

والحاجة الدبلوماسية الملحة عام 2015 بالنسبة للشعب الفلسطيني والعالم تكمن في إنهاء الحالة المقيدة للتقدم في غزة.

يقول أحمد يوسف، مستشار رئيس الوزراء الفلسطيني السابق إسماعيل هنية: «الناس غاضبون ومحبطون، وليس لديهم ما يخسرونه، نحن نموت تدريجياً، لذا من الأجدى أن نموت بكرامة».

وقد تبين أن المصالحة المفترضة بين فتح وحماس لا جدوى منها، فقيمة عقود التنظيف والمواد الغذائية في المستشفيات لا يجري تسديدها. وكل من حماس وفتح يلوم الآخر. ويصف مدير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين في غزة روبرت ترنر «انجرافاً نحو مجموعات أكثر تطرفاً»، حيث لم تجر معالجة أي من أسباب الصراع.

مأزق شائك

ولا أحد يريد التحدث عن غزة لأنها تنضح بالفشل، فشل الانسحاب الإسرائيلي، وفشل انتخابات قديمة العهد قادت حماس إلى تولي السلطة، وفشل تحقيق الوحدة الفلسطينية الضرورية لإجراء مباحثات سلام جدية، وفشل منع حروب متكررة، وفشل الربيع العربي، الذي أدى إلى تلك الحدود المصرية المغلقة..

وفشل تماسك الموقف الإسرائيلي حيال حماس (فاوضتها إسرائيل لإنهاء الحرب ولضمان الإفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، لكن عدا ذلك تنظر إليها على أنها مجموعة من المستحيل التفاوض معها)، وفشل تقديم حياة كريمة لـ 1.8 مليون إنسان محاصر.

ويشكل القطاع مأزقاً شائكاً، وإعطاؤه الأولوية، قبل حماس، ستكون له مزايا عدة: إجبار الفلسطينيين على توحيد حركتهم الوطنية وإجراء انتخابات طال انتظارها، وتجنب حرب أخرى بخسائرها الفادحة في الأرواح وتأثيرها على موقف إسرائيل الدولي، وإخراج مجموعة واسعة من الفلسطينيين من البؤس المؤدي إلى التطرف، وإلزام من يدعون صانعي السلام أن يكونوا واقعيين أو يعودوا إلى ديارهم، ووقف الإلهاء داخل الأمم المتحدة.

والإسرائيليون والفلسطينيون والمصريون والأوروبيون والأميركيون بإمكانهم تغيير الأوضاع، إذا اختاروا تحديد المكان الذي يدعى غزة، وتحويله إلى مكان آخر، أما البديل فحرب من دون نهاية.

دمار رهيب

يقول مدير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين في غزة روبرت ترنر، إن التقديرات الأولية لأضرار الحرب قللت من شأن مداها: 96 ألف منزل من عائلات اللاجئين (في مقابل تقديرات أولية تبلغ 42 ألفاً) دمرت أو تضررت، بمجموع 124 ألف منزل بالإجمالي، لكن القليل من مواد إعادة البناء متاح في القطاع.