يشــــعر الرئيس الفلسطــيني محمود عباس، بكل تأكيد، كما لو أنه يحارب طـــواحــين الهواء. فقــد رفض مبدأ العنف واخـتار بدلاً عنه درب المفاوضات السلمية، لكــن جــهوده المشروعة في إقامة دولة فلسطــينية أدت دوماً إلى خيبات أمل، على الرغم من حقيقة أن أغلـــبية الدول الأعضــاء في الجمعية العامة للأمم المـــتحدة تــقف في معسكره.
والحال أن النظام الدولي القائم لا يفضي إلى تطبيق العدالة بموجب القوانين والاتفاقيات الدولية، في ظل وجود حفنة من أعضاء مجلس الأمن الدولي قادرين على إفشال مشروعات قرارات مؤيدة للفلسطينيين باستخدام حق النقض الفيتو.
لكن الحال لم تكن على ذلك النحو، عندما رفض مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة أخيراً مشروع قرار السلطة الفلسطينية الداعي إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة بحلول عام 2017.
وعلى الرغم من أن اثنين فقط من المؤيدين لإسرائيل في العادة، وهما الولايات المتحدة وحليفتها أستراليا، صوتا ضد مشروع القرار، إلا أنه فشل في حشد موافقة الأصوات التسعة المطلوبة. فثماني دول صوتت لصالح القرار، فيما صوتت خمس دول بالامتناع نتيجة تخوفها وجبنها، بما في ذلك نيجيريا التي يعتقد أنها رضخت للضغط الأميركي، حيث إنها في الماضي كانت مناصـــرة بقوة للفلسطينيين.
تفادي الإحراج
وبغض النظر عن الاتجاه الذي ذهب إليه التصويت، فإن مشروع القرار لم يكن مقدراً له أن يمر، وواشنطن تفادت بهامش صغير جداً الإحراج المتمثل في استخدامها الفيتو. أما بريطانيا التي أجرى برلمانها أخيراً تصويتاً غير ملزم للاعتراف بدولة فلسطين، فقد اختبأت وراء عذرها بالامتناع عن التصويت، مدعية أنه لو كان مشروع القرار أكثر «اعتدالاً» في صياغته لكانت قد صوتت بالإيجاب.
وبطبيعة الحال، أصيب الفلسطينيون بخيبة أمل إزاء تلك النتيجة، لكنهم لم يفاجؤوا من كون الولايات المتحدة لا تقوم بأي شيء على الإطلاق لتقرن أفعالها بأقوالها، عندما تكون إسرائيل معنية بالأمر. فالرئيس الأميركي باراك أوباما يحسن الحديث عن الأشياء، لكنه غير قادر أو راغب في دعمها بالأفعال.
وفي مواجهة مجتمع دولي ضعيف الإرادة، قدمت السلطة الفلسطينية طلباً لعضوية المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، على أمل محاسبة إسرائيل على ارتكابها جرائم حرب في غزة، وسعياً للوضوح القانوني بشأن مسألة توسيع المستوطنات الإسرائيلية التي تخالف في الواقع دستور المحكمة الجنائية الدولية.
وبدا السفير الفلسطيني لدى الأمم المتحدة رياض منصور واثقاً من أنه سيتم قبول الطلب. وقال للصحافيين مع رفضه الإشارة إلى أن حماس سوف تكون أيضاً عرضة لاتهامات بارتكاب جرائم حرب: «يشرفنا أن نكون الدولة الطرف الـ123 التي تنضم إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهو الأمر الذي سيدخل حيز التطبيق في غضون 60 يوماً من الآن».
شكوك مشروعة
وقد لا يكون التفاؤل الذي أظهره منصور مبرراً. ففي المقام الأول، على الرغم من أن فلسطين منحت وضع دولة مراقب غير عضو بتصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أنه حتى الآن لم تقبل المحكمة الجنائية الدولية إلا طلبات مقـــدمة من دول فاعلة كاملة الأهلية فقط.
أولاً، حتى اليوم لم يلاحق المدعون العامون في المحكمة الجنائية الدولية ولأسباب مجهولة إلا المواطنين الأفارقة، ما يشير إلى تخوفهم من إزعاج القوى الكبرى وحلفائها، ولهذا السبب، تعرضت المحكمة لانتقادات شديدة. وثانياً، إسرائيل ليست من الدول الموقعة على معاهدة روما، وهي لا تعترف، مثل الولايات المتحدة الأميركية، باختصاصات المحكمة.
وليس لدى مجلس الأمن الدولي السلطة لإحالة الدول غير الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية لإجراء تحقيق معها، ومرة أخرى ستستخدم الولايات المتحدة من دون شك حق النقض.
ودعونا نفترض، على سبيل المحاججة، أن كل تلك العقبات يمكن الالتفاف عليها، لن تسمح إسرائيل لفرق من محققي المحكمة الجنائية الدولية بالوصول إليها، وسترفض التعاون مع المدعين العامين. وحتى لو تم إصدار مذكرات توقيف من قبل المحكمة ضد شخصيات إسرائيلية بارزة، فإن فرص قدوم أولئك الأشخاص للمثول أمام المحكمة بملء إرادتهم تبقى معدومة.
