قبل عام مضى، وفي ضوء الحرص على رصد التنبؤات عما سيحدث في الشرق الأوسط في العام المقبل، اخترت أن أتصور ما لن يحدث، أي رصد نقاط الضوء في غمار التنبؤات بالظلمة، التي يبدو أنها تهيمن على هذه المنطقة.
وكما أشرت في ذلك الوقت، فإنه في بعض الأحيان لا يدفع للشعور بالسرور أن يبرهن المرء على صحة ما ذهب إليه، وذلك هو ما تحقق في بعض الحالات على الرغم من أنه في حالات أخرى لم أكن على خطأ فحسب، وإنما لم أضع يدي على جوهر الأمر بالمرة.
من هذا المنطلق، فإن التنبؤ بأن لبنان لن يتمزق على الرغم من التحذيرات، وأن رجب طيب أردوغان سيصبح رئيساً، كانا أمرين يسيرين.
ومن المحزن أيضاً أن الرئيس السوري بشار الأسد واصل شغله لسدة الرئاسة في سوريا، ولكنني ذهبت إلى القول، إن من الممكن التوصل إلى حل سلمي إن لم يكن عادلاً كلية لإنهاء الصراع. وكتبت أقول:« إذا ظلت سوريا مدار الحديث الأكثر بروزاً في الشرق الأوسط وصولاً إلى العام التالي، فإن ذلك لا يعني أن من المضمون أن تحتل المكانة نفسها في غضون عام».
ومن سوء الطالع أن هذا قد تحقق، ولكن ليس للأسباب التي تصورتها، فسوريا لم تتراجع عن الصفحات الأولى للصحف، لأن السلم قد سادها، إنما لأن شرق المتوسط بأكمله تمزقه الحرب.
والقضية الأكبر في الشرق الأوسط التي تنتقل إلى عام 2015، ليست تمزق دولة واحدة هي سوريا، وليست تمزق دولتين هما سوريا والعراق، وإنما محاولة فرض «دولة جديدة» على ساحة الشرق الأوسط.
كيف غاب عنا ذلك، فلنعد إلى بداية عام 2014، عندئذ سنجد أن قلة من المحللين هم الذين أدركوا ضراوة التهديد الذي شكله «داعش». وفي تلك المرحلة، فإن التنظيم قد سيطر على أجزاء من سوريا، لكن أحداً لم يتصور أنه سرعان ما سيكتسح ثاني أكبر مدينة في العراق، وبالتالي يواجه بسهولة كلاً من الجيش الوطني العراقي والبيشمركة الكردية.
وعندما أتطلع اليوم إلى آفاق 2015، فإنني أخشى أن الخطأ نفسه يتم ارتكابه بالنسبة لليمن، فنحن في غمار انشغالنا مما يجري في شمال شبه الجزيرة العربية تجاهلنا ما يحدث في جنوبها.
في عام 2014، بدا اليمن إحدى النقاط المتألقة للربيع العربي، فالانتقال الذي دعمته دول مجلس التعاون برهن على فعاليته وإن كان بشكل بطيء ومتردد، لكن عام 2014 أظهر أن الانتقال يتطلب انتباهاً مستمراً من الأطراف المعنية، وهذا الانتباه في عام 2014، لم يكن متوفراً.
ولكن الأوان قد آن لكي نهتم باليمن، فعناصر التماثل بين العراق في 2013، واليمن في 2014، بارزة بل هي أكثر بروزاً من أن نتجاهلها.
شأن العراق، تعرض اليمن لأوجه تمزق في النظام المستقر في السنوات الأخيرة، ورجع ذلك في حالة العراق إلى الغزو الأميركي، وفي حالة اليمن إلى عاصفة الربيع العربي، وفي الحالتين، ظهرت جماعات متشددة هي «داعش» في العراق، والحوثيون في اليمن، وانطلقت السيطرة على محافظات بكاملها.
توترات في اليمن
على الرغم من ضروب القفز إلى تنبؤات بشأن آفاق 2015 الآن، فإن هذا العام سيشهد توترات في اليمن أكثر عمقاً من أن يتجاهلها العالم. وعلينا أن نتوقع عناوين صحف من جهات لا نتوقعها، وكون المشكلات في اليمن قد تم تجاهلها لا يعني أنها قد انقضت.
