تتمتع سنغافورة بقيادة استثنائية تمثل أولى ركائز القوة الناعمة فيها. فنوعية تفكير الآباء المؤسسين لسنغافورة توازي تفكير آباء المؤسسين لأميركا. وقد أصبح نائب رئيس مجلس وزراء سنغافورة الدكتور غوه كنغ سوي أحد مستشاري القائد الصيني دينغ سياو بينغ.

كما يعتبر رئيس جمهورية سنغافورة السابق لي كوان يو أحد أفضل القادة العالميين لوقتنا الحالي، وهو على الرغم من احترام الغرب له لم يتردد في قول الحقيقة، وتشكل حادثة إعرابه عن سأمه من مجموعة من أساتذة هارفرد البارزين في ذروة حرب فيتنام، وقوله: «تشعرونني بالقرف» إحدى أفضل القصص التي يسردها وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر. لا شك أن سوي قد وضع سنغافورة على الخارطة العالمية.

وتشكل الحوكمة الجيدة الركيزة الثانية، حيث يعتمد نجاح سنغافورة على ثلاثة عناصر متمثلة بالجدارة والبراغماتية والمصداقية. ولحسن الحظ أن حكم القانون القائم على مبدأ غربي ينجح تماماً في المجتمعات الشرقية، حيث القانون فوق الجميع.

وتؤدي التعددية الثقافية القائمة على تفاعل أربع حضارات أساسية في العالم دور الركيزة الثالثة في سنغافورة، التي تجمع بين الصينية والمالوية والهندية والغربية. وقلة هي المجتمعات التي تضاهي سجل سنغافورة في إدارة التعددية الثقافية من خلال قوانين صارمة تحظر الحساسيات العرقية والدينية.

ويشكل اعتماد اللغة الإنجليزية الركيزة الرابعة من ركائز القوة الناعمة لسنغافورة، حيث يعتبر السنغافوريون الشعب الأكثر مهارةً في استعمال هذه اللغة في آسيا، مما يفتح آفاقاً على تراث الحضارة الغربية الغنية، ويمنحهم ميزة تنافسية إضافية.

ويحتل الطعام الموقع الخامس بين الركائز السبع، وقد انفرد السياسي السنغافوري السابق جورج يو يونغ بون بعبارته الشهيرة، حيث قال إن الطعام هو «طاو» أو «مبدأ» سنغافورة. ويستمتع السنغافوريون بتنوع المطابخ الموجودة، ويتناولون أصنافها على امتداد النهار أو في وجبة واحدة.

وتقوم الركيزة السادسة على البيئة الخضراء، حيث تنتشر في سنغافورة أنواع أشجار أكثر مما يوجد في ولايات أميركا مجتمعةً.

أخيراً، تعتبر سنغافورة البلد الأكثر انفتاحاً وعولمةً في العالم.

تعتمد القوة الناعمة كثيراً على البيئة العالمية. ففي القرن التاسع عشر، حين كانت أوروبا هي المسيطرة، أذهلت لندن وباريس العالم وجذبتاه بقوة ناعمة. إلا أن الزمن قد تغير، والقوة تنتقل من الغرب إلى الشرق. لكن الغرب لم ينته، بل إنه سيبقى الحضارة الأقوى في العالم للمرحلة المقبلة. لذا فإن الدول ذات الأداء الجيد في مجال القوة الناعمة هي تلك التي تجمع أفضل ما في الغرب والشرق، وتلك هي نقطة تميز سنغافورة.

إذا تمكنت سنغافورة من المضي قدماً في الجمع بين أفضل ما في الشرق وأفضل ما في الغرب ، فإنها قد تشكل مثالاً واعداً لعالم يؤمن بأنه من الصعب على الشرق والغرب التعايش معاً. لذا إذا نجحت سنغافورة في قوتها الناعمة، فقد تتوصل إلى تحقيق أمر هام عالمياً، ولو على الصعيد التجريدي فقط.

واعتمد بقول تجريدي على كلام الكاتب والشاعر البريطاني روديارد كبلينغ، الذي قال مرةً: «الشرق شرق، والغرب غرب، ويستحيل أن يجتمعا.» ولا يزال الكثيرون في العالم يؤمنون بأنه كان على حق. لذا إن تمكنت سنغافورة من الجمع بين الشرق والغرب، فهذا سيغير رؤيتنا الكونية الطاغية للعالم، وأي شيء يغير تلك الرؤية هو مهم على الصعيد الميتافيزيقي.