بدا نظام الرئيس السوري بشار الأسد، حتى بعد انتشار مسيرات الاحتجاج في أنحاء الشرق الأوسط أوائل 2011، في مأمن من الاضطرابات. والعديد من الخبراء قالوا آنذاك إن الدولة البوليسية القوية في سوريا، التي تمارس سيطرة محكمة على شعب البلاد واقتصاده، سوف تنجو من رياح الربيع العربي. وبالمقارنة مع جارتها لبنان، بدت سوريا مستقرة بشكل لا يقبل الجدل.

لكن المظاهر كانت خادعة، اليوم سوريا في حالة من الفوضى، فيما لبنان تمكن من الصمود أمام تدفق اللاجئين السوريين والضغوطات الكبيرة الأخرى للحرب الأهلية في البلد المجاور.

وقصة سوريا ولبنان المتباينتان تظهر أن إشارات التحذير المبكرة الأفضل لانعدام الاستقرار تكمن في الخصائص البنيوية الكامنة في البلاد، وليس في المعطيات التاريخية.

وبالنسبة للبلدين، توجد خمسة مصادر أساسية للضعف، وهي: نظام حكم متمركز السلطات، اقتصاد غير متنوع، ديون ورافعة اقتصادية مفرطة، نقص في القابلية على التغيير السياسي، وعدم وجود تاريخ لصدمات سابقة تم تجاوزها.

المركز والصمود

أول علامة على ضعف الدولة هي نظام متمركز السلطة لاتخاذ القرارات. على السطح، يبدو أن تمركز السلطات يجعل الحكومات اكثر كفاءة وبالتالي اكثر استقرارا، لكن هذا الاستقرار عبارة عن وهم. فعلى الرغم من تقليصه لأي شطط عن القاعدة، إلا أن تمركز السلطات يضخم التبعات المترتبة على هذا التقليص، حيث يركز الاضطرابات في أحداث أقل وأكثر حدة، هي اكثر ضرراً بشكل غير متناسب مع الاختلافات الصغيرة المتراكمة.

والدول التي تركز السلطة في الغالب تفعل ذلك لقمع التوتر الطائفي. وغياب القدرة على التعامل مع التنوع، سواء السياسي أو الديني، يزيد من ضعف البلدان.

بالإضافة إلى ذلك، يزيد نظام الحكم هذا من احتمالات حدوث انقلابات عسكرية من خلال جعل الاستيلاء على مقاليد السلطة أسهل.

الاقتصاد غير المستقر

ونقطة الضعف الأخرى تكمن في غياب التنوع الاقتصادي. وتمركز سلطات اتخاذ القرارات على الصعيد الاقتصادي يمكن أن تكون أكثر ضرراً منها على الصعيد السياسي.

ولكي تكون الدولة في مأمن، فان خسارة مورد دخل واحد يجب أن لا يضر بشكل دراماتيكي في مجمل الأوضاع الاقتصادية. والدول التي تعتمد على السياحة، على سبيل المثال، هي عرضة تحديدا لحالات انعدام استقرار متصورة، وهذا ما اكتشفته مصر بعد الثورة.

كذلك يكمن مصدر للضعف في اقتصاد مبني حول سلعة واحدة، والأسوأ هو عندما تهيمن مشاريع كبيرة برعاية الدولة على الاقتصاد، فهذا لا يعمل على خفض التنافسية فحسب، وإنما يفاقم أيضا من مخاطر التراجع في الطلب على تلك السلعة. والمصدر الثالث للضعف هو في أن تكون الدولة مثقلة بالديون ولديها رافعة تشغيلية. والدين الصادر عن الدولة قد يكون أسوأ أنواع الديون، لأنه يصبح ثقلاً دائماً.

قابلية التغيير السياسي

المصدر الرابع للضعف هو غياب القابلية للتغيير السياسي. وعلى نقيض الاعتقاد السائد، فان الدول المستقرة فعلا تختبر تغييرات سياسية معتدلة من خلال تبديل الحكومات باستمرار وعكس التوجهات السياسية. وتعزز تلك التغييرات الاستقرار من خلال الاستجابة للضغوط في الدولة، شرط أن يكون مقدارها ليس كبيرا، كما الفجوة بين حزب العمال وحزب المحافظين في بريطانيا. والقابلية للتغيير السياسي تطيح بقادة محددين من السلطة، مما يقلل من المحسوبيات. وعندما تكون الدولة لامركزية، فإن القابلية للتغيير تكون اكثر سلاسة. وهذه القابلية للتغير هي التي تجعل الديمقراطيات اقل هشاشة من الأنظمة الأوتوقراطية. وحتى الآن، وربما بشكل يمكن توقعه، فإن أياً من الدكتاتوريات التي مر عليها الربيع العربي لم تظهر مثل هذه القابلية.

والمصدر الخامس للضعف هو عدم وجود سجل تاريخي يشير إلى تجاوز صدمات قوية. فالدول التي اختبرت السيناريوهات الأسوأ في الماضي القريب وتعافت منها من المرجح أن تكون اكثر استقرارا من تلك التي لم يحدث لها ذلك. وواقع أن الدول السوفييتية السابقة تعافت من انهيار الاتحاد السوفييتي يشير إلى أنها مستقرة نسبيا.

إشارة تحذير

تلك العلامات الخمس تعمل بشكل أفضل كإشارة تحذير. ولا يمكن أن تشير بثقة عالية إلى ما إذا كان بلد ما مستقراً أم لا، فلا توجد وسيلة بإمكانها ذلك، لكنها بالتأكيد يمكنها إظهار ما إذا كانت دولة ما يجب أن تصبح مصدر قلق، والدول التي تحصل على علامات سيئة ضمن النقاط الخمس تثير القلق.

حالة استثنائية

لننظر في وضع لبنان. ففي معظم تاريخه، كان البحر المتوسط محاطا بمدن- دول متعددة اللغات، متسامحة دينيا وتجارية إلى حد بعيد، استوعبت إمبراطوريات مختلفة. لكن معظم هذه المدن - الدول تم ابتلاعها من قبل الأمة- الدولة الحديثة، باستثناء لبنان الذي ابتلعته بيروت وليس العكس. وبعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، فان دولة لبنان كانت صغيرة وضعيفة بما فيه الكفاية لتتم السيطرة عليها من قبل المدينة – الدولة بيروت. والنتيجة: على مدى نصف القرن الماضي، فان مستويات المعيشة في لبنان ارتفعت بالمقارنة مع نظيراتها. والبلاد تمكنت من تجنب مذهب الدولانية أو تمركز السلطة التي اجتاحت المنطقة مع صعود جمال عبد الناصر في مصر وحزب البعث في سوريا والعراق.