دعونا نقر بأن فكرة الربيع العربي التي كانت محملة بالأمل بالنسبة للشرق الأوسط، أصبحت مصطلحاً مثيراً للاكتئاب، فقد جاءت في أعقابها كوارث إنسانية متنوعة. ومع ذلك، فإن مهد هذا الربيع العربي يتصدر الدرب من جديد. ومع الانتخاب السلمي للباجي قايد السبسي، فإن تونس الدولة العربية الأولى التي برهنت على أن الاحتجاجات الشعبية كافية للتخلص من الحكم الفردي، أظهرت للعالم أيضاً أن إدارة منظمة للثورة كانت دوماً خياراً مطروحاً.
وفي غضون أربع سنوات فقط، مرت تونس بدائرة كاملة من الإطاحة برئيس كان سيبقى على ما يبدو مدى الحياة، إلى انتخاب جمعية تأسيسية وصياغة دستور جديد، وتنظيم جولة من الانتخابات الرئاسية والتشريعية ديمقراطية بالكامل.
ولقد أبحرت تونس بنجاح في مياه الفوضى العكرة في مرحلة ما بعد الثورة.
كانت هناك على نحو محزن حالات محدودة من الاغتيالات السياسية، لكن ردود الأفعال القوية من المجتمع المدني والسياسيين على حد سواء كانت كفيلة بعدم سقوط السياسة في صراع مسلح مفتوح. وعلى نحو مماثل، أدينت استعراضات القوة من جانب المجموعات المتطرفة من قبل الطبقة السياسية بأكملها، ما أدى إلى تهميش تلك المجموعات العنيفة.
وفي النهاية، أثمرت عقوداً من التزام الدولة بالتعليم والتنمية، ما ضمن بقاء الحوار السياسي وسيلة المفاوضات المفضلة لأغلبية السكان.
تحولات كبيرة
وأدت مفاوضات محمومة إلى ولادة دستور جديد (هو الثالث في تاريخ البلاد بعد دستوري عامي 1861 و1959). وقد سمح للناخبين التونسيين باختيار درب بلادهم بحرية. فعبروا في أكتوبر الماضي، عن خيبة أملهم بالفائزين الأساسيين في الجمعية التأسيسية، وصوتوا بنسبة 40% لحزب نداء تونس الذي يدعم العلمانية والديمقراطية الاجتماعية والليبرالية.
والحزب تعرض لانتقادات دوماً، لسماحه لبعض السياسيين من حزب الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، التجمع الديمقراطي الدستوري، باستعادة وجودهم في تونس ما بعد الثورة. ولا يمكن النظر إلى الرئيس المنتخب البالغ من العمر 88 عاماً على أنه وافد جديد على الساحة، فقد كان عضواً في حزب الدستور الوطني الذي حارب من الثلاثينات لنيل الاستقلال، وتولى تباعاً عدة أدوار حيوية في ظل الرئيس الأول للبلاد الحبيب بورقيبة.
وكان السبسي أيضاً رئيساً سابقاً للبرلمان التونسي في عهد بن علي في أوائل التسعينات، وأول رئيس وزراء خلال المرحلة الانتقالية ما بعد بن علي، حيث بقي لمدة تسعة شهور في عام 2011. لكن سجله لا يعني أن ميراث الثورة مهدد. بل يظهر على العكس بأن مرحلة الانتقال تم التفاوض عليها بشكل رائع، وأن الثقافة السياسية للبلاد ناضجة بما فيه الكفاية لاختيار المستقبل السياسي بطريقة سلمية وعادلة. وما يبشر بالخير هو أن الرئيس المنتهية ولايته منصف المرزوقي اعترف في النهاية بهزيمته، فيما أيد رئيس حزب حركة النهضة راشد الغنوشي ضمنياً السبسي، مطمئناً الجميع إلى أنه لا يوجد خطر من العودة إلى الديكتاتورية. والسبسي يشير إلى المصحف الشريف علناً في معظم الأحيان، وهي استراتيجية واضحة تهدف إلى إزالة مخاوف الإسلاميين المعتدلين.
وبينما الدول الأخرى المحيطة بها تتعثر وتنهار إلى حالة من العنف المريع، أظهرت تونس أنها تمتلك النضج السياسي المطلوب ليس فقط للعب وفقاً لقواعد الديمقراطية، وإنما أيضاً للقبول بنتائج الانتخابات التعددية بالتزامن مع محاربة التطرف.
مهمة خارقة
كانت الحملة التشريعية والرئاسية في تونس عام 2014 شرسة، بسجال حقيقي. لكن غالبية التونسيين قرروا أنهم يريدون بلادهم أن تبقى علمانية، ولقد عهدوا الآن لحزب بهيئة خبير لمعالجة المشكلات الأساسية التي تطورت على مدى السنوات القليلة الماضية: عدم الأمان، وتهديد التطرف، والتضخم وفوق كل شيء آخر البطالة. المهمة خارقة، وارتفاع التوقعات يجعلها محفوفة بالمخاطر السياسية بدرجة أكبر.
