ترعرعت في ظل الحرب العالمية الثانية، ونشأت في فجر الحرب الباردة، وأكثر ما يدهشني اليوم، بعد مرور تلك السنوات، هو أن جيلاً من القادة لم يربح الحرب وحسب، بل السلام أيضاً. تعاونت الولايات المتحدة وشركاؤها، وعملوا على تشكيل تحالفات جلبت الاستقرار والازدهار لأوروبا الغربية واليابان وكوريا الجنوبية.

أصبح الأعداء القدماء حلفاء جدداً، ومهدوا الطريق نحو نظام اقتصادي عالمي جديد جعل العالم أكثر ازدهاراً. ومع استعار حمى الحرب الباردة، وجد أولئك القادة سبلاً للتعاون في مسألة الحد من التسلح، وتفادي وقوع مواجهة نووية حاسمة.

تغير المعطيات

لقد انتقلنا من عالم تشكل التراتبيات محور قوته إلى عالم يستقي قوته من الشبكات، حيث ينبغي على فنون الحكم أن تتأقلم. تتطلب المؤسسات والشراكات الدولية، التي ظهرت في سنوات ما بعد الحرب، الصيانة والتحديث.

ويقترح البعض في خضم الإرباك الحاصل أن تنغلق أميركا على ذاتها، وليس هذا بالأمر الجديد، فهو تكرار لجدل ساد عقب الحرب العالمية الثانية،و بعد انهيار جدار برلين. وقد كانوا مخطئين حينها، كما هم اليوم.

لم تكن هناك قط حاجة أكبر للقيادة، ولم يسبق للولايات المتحدة أن كانت أكثر انخراطاً في شؤون العالم. وقد استثمرت الكثير من المال والدماء لمنح أفغانستان فرصة إحقاق الانتقال الديمقراطي السلمي الأول في تاريخها، وتقع على عاتق العالم مسؤولية إنجاح حكم قادتها.

كذلك القضاء على الأسلحة الكيمياوية في سوريا لم يكن ليتم من دون الجهود الدبلوماسية المباشرة، كما أن الحرب الأهلية اللاأخلاقية المرعبة هناك لن تنتهي من دون التزامات موازية. أما في آسيا، فتذكرنا الالتزامات الطموحة لكل من الرئيس الأميركي باراك أوباما، والرئيس الصيني شي جينبينغ، حول مسألة تغير المناخ بما تستطيع الدول تحقيقه معاً من خلال القيادة الحقيقية.

العالم يتغير ونحن نتغير معه. لم تعد الحدود الموقعة على الخارطة تنطوي على التهديدات الأخطر، كما أن اللاعبين الدوليين لم يعودوا منقسمين في معسكرين واضحين. العالم بات صغيراً في القرن الواحد والعشرين، لذا فإنه يحتاج لدبلوماسية التحالف.

لا يمكن لأي دولة القضاء على الإرهاب بمفردها، ولا حل التهديد الوجودي المتمثل بتغير المناخ، ولا القضاء التام على الفقر، أو محاربة الأوبئة، أو تحصين الأمن النووي وحيدة.

الانخراط هو الحل

لا يمكن لأي منا أن يعيش حياةً أكثر أمناً وثراءً بإدارة ظهورنا لما يحدث في العالم. علينا البناء على التاريخ، والعمل مع حلفائنا لتشكيل ائتلافات مع الحكومات والمجتمع المدني.

وتشكل الجهود الدولية لمحاربة «داعش» مثالاً جيداً، حيث يتم توظيف الأدوات السياسية والبشرية والاستخبارية من أكثر من 60 بلداً لدعم العمل العسكري الموحد. ويعتمد نجاح هذه الجهود على ما يمكن لنا جميعاً تحقيقه في مواجهة هذا التهديد المشترك.

وعلى جبهة موازية في أهميتها، تعمل أميركا مع الأمم المتحدة على حشد رد دولي لمواجهة خطر وباء «إيبولا»، ويتفق قادة أكثر من 50 بلداً على أنه بالتنسيق وحده يمكن وقف هلاك غرب إفريقيا ومنع انتشار الوباء.

إننا نحقق التقدم على الجبهتين، إلا أنه لا يزال هناك الكثير من العمل لنقوم به، حيث أن جمع بلدان ذات مصالح متنافسة وموارد متفاوتة عمل شاق يتطلب جهوداً دبلوماسية حثيثة، والتعويل على علاقات قائمة منذ عقود من الزمن، وبناء تحالفات مع شركاء جدد.

إلا أننا بتخطي الفروقات، وتنسيق الجهود لهزيمة «داعش» وقهر «إيبولا»، نعزز دعم النظام العالمي المرتكز على الحلول الجماعية لمشكلات مشتركة.

ويبقى على قدر موازٍ من الأهمية التعاون لتعزيز المبادئ الاقتصادية التي بنت عليها أميركا والدول الأخرى ازدهارها ما بعد الحرب.

وتشكل المفاوضات التي يجريها أوباما حول الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية عبر المحيط الهادئ مثالاً ساطعاً على إرادة التوصل لاتفاق مع دول تشكل ثلث التجارة العالمية. كما أن مفاوضات الشراكة العابرة للأطلسى في التجارة والاستثمار مع الاتحاد الأوروبي خطوة أساسية أخرى نحو زيادة التجارة.

لا يمكن للشراكات الحقيقية، سواء كانت لضمان الأمن المشترك والازدهار المتبادل، أن تنشأ بين عشية وضحاها. ولا بد من الدبلوماسية المتأنية والإرادة الجماعية لإحراز الأهداف المشتركة. لم تتغير أهداف أميركا منذ عقود، وهي السلام والأمن والاستقرار لأميركا وشركائنا من حول العالم.

 

وزير الخارجية الأميركي  الشراكة أولاً

لم يسهم بناء مؤسسات دولية فاعلة وضرورية، وقيام شراكات استراتيجية في تفادي حرب باردة كارثية أخرى، بل وضع حداً نهائياً للحرب الباردة، ورفع مستوى المعيشة العالمي لمئات ملايين الناس.

تلك هي القصة المميزة للقرن العشرين، لكن السؤال هو: ما هي الرواية التي سيطالعنا بها القرن الواحد والعشرون؟ يواجه النظام العالمي اليوم تحديات جديدة، حيث الاعتداء الروسي يهدد الحلفاء، والتشدد يختطف الأديان، ويتربص بالحكومات والشعوب في كل مكان.

وتسرّع التكنولوجيا في تبدل موازين القوى بين الجهات الحاكمة والمحكومة، وتتيح فرص المحاسبة الديمقراطية، وتضع العقبات في وجه السياسات الشمولية.