تطالعك حلب، بعد عامين ونصف العام من الحرب في سوريا، عند نهاية طريق مؤقت، كأرض مقفرة لا ينتشر فيها إلا المسلحون، والجنود وبضعة مدنيين يائسين. ويتجرأ بعضهم على القول بحذر إن المعركة الحاسمة في حلب، مهد الحضارة، باتت قاب قوسين أو أدنى.
وأياً كان الطرف الفائز في معركة شمالي سوريا، فسيكون بانتظاره طريق طويل لتحقيق النصر في الحرب التي هدمت معظم البلاد، وهددت الحدود المرسومة منذ أكثر من قرن من الزمن، وقضت على آلاف السنوات من التعايش بدءاً من ساحل المتوسط، وصولاً إلى سهل نينوى شمالي العراق.
لقد أصبحت الأطراف الشمالية الشرقية لمدينة حلب، التي كانت يوماً القلب النابض للاقتصاد السوري، مجرد أرض مهجورة وخالية من المصانع المدمرة ومكاتب يقبع فيها مقاتلون متعبون من جهتي القتال.
وقال أحد قادة مقاتلي «الجبهة الإسلامية»، وهي مجموعة المعارضة الأكبر الباقية في شمالي سوريا: « يعتقد النظام أنه سيهزمنا بسهولة، إلا أن جيشه لم يقم بذلك بعد، ولن ندعه يفعل هذا الآن».
وتشق التعزيزات طريقها بثبات إلى المقاتلين من أجل تأمين الطريق الأخير، الذي يمكن الدخول منه إلى حلب والخروج منها.
وكانت قوات نظام الرئيس السوري بشار الأسد قد حافظت، منذ فبراير الماضي، على قوتها في الشمال الشرقي والشمال الغربي لمدينة حلب، إلا أنها لم تتمكن من إحكام الطوق حولها وحصارها لتلاقي المصير ذاته لمدينة حمص، ثاني معاقل الثورة التي وقعت بمعظمها تحت سيطرة القوات الموالية للنظام.
وإلى الشمال مباشرةً، قامت المعارضة بشن معركة للدفاع عن بلدة زهراء، التي بقي نحو 15 ألف من سكانها بمأمن عن أي أذى خلال الحرب بفضل حماية جماعات دفاع خارجية.
وتجبر دينامية الأحداث المتسارعة، سيما تحالف «الجبهة الإسلامية» مع «جبهة النصرة»، على إعادة الحسابات بالنسبة لـ«الجبهة الإسلامية»، التي تقول إنها قد انتظرت سدىً المساعدة الموعودة من دول المنطقة.
وقد قال أحد قادتها: «هناك سبب عسكري للقتال في الزهراء. ونحن نعلم أن النظام يقاتل بأعداد كبيرة من الميليشيات، وأن الانتصارات التي حققها سببها الجيوش بالتفويض، وليس بجنوده».
ويعرب مقاتلو الجيش الحر والجبهة الإسلامية عن خيبة أملهم من التدخل الجوي الأميركي وائتلاف تحالف الدول العربية ضد «داعش»، وقد كان المسلحون في الشمال يأملون كذلك بوقف الهجمات الجوية لنظام الأسد.
وكانت «الجبهة الإسلامية» قد شنت في يناير 2014 حملة ضد تنظيم «داعش»، وأجبرته على الهرب من حلب ومناطق الأرياف إلى الشمال، ومن إدلب باتجاه الغرب. استمر القتال لستة أسابيع وترك ألفي قتيل من مقاتلي الجبهة، وأتاح انشغال المعارضة للنظام فرصة الاقتراب من حلب وتهديدها.
وقال قائد المسلحين في حلب حول المكاسب التي حققها تنظيم «داعش»: «لقد كانت تلك خسائر استراتيجية بالنسبة إلينا. ومع ذلك، لا زال الأميركيون يشكون بالتزامنا في مقاتلة التنظيم. ظننا، حين عادوا إلى سوريا، أنهم سيتمكنون على الأقل من وقف تحليق طيران النظام، الذي قصف المدينة أكثر من أي وقت قبل وصول أميركا».
في مدينة حلب القديمة، حيث السكان المحليون الباقون بدوا متعبين من هول المأساة، يشيع الحديث عن وقف لإطلاق النار. وقد قال صالح حمصي: «إننا لا نستطيع أن نجعل الأمر يبدو استسلاماً. على النظام أن يسلّم بأننا انتصرنا أولاً».
تلوح أعلام «الجبهة الإسلامية» باعتزاز فوق حلب، إلا أن الأقدار المتبدلة للحروب في شمال البلاد قد تغير ذلك.
حرب المفاهيم
المعركة التي بدأت من جهتي القتال للسيطرة على دولة تتمتع بالسيادة على أراضيها طغت على حيثياتها الأجندات الإقليمية.
والمعارضة السنية بامتياز تعتقد بأنها تحارب مجموعات يحرضها النظام في دمشق وبغداد وتقودها جهات أجنبية مناوئة. في حين تصر كل من سوريا والعراق على أن «الجبهة الإسلامية» لا تختلف عن تنظيم «داعش»، الذي يحاول تأسيس دولة له على أنقاض البلدين.

