فاز السياسي المخضرم الباجي قايد السبسي في الانتخابات الرئاسية في تونس، أخيراً، على الرغم من تقدمة في العمر، ويُحسب تقليدياً من حيث علاقاته الوثيقة على مرحلة سابقة من النظم السياسية التونسية، وهو الأمر الذي دفع المراقبين إلى إبداء مزيد من الاهتمام، فتونس هي مسقط رأس الربيع العربي الذي بدأ عام 2011، والانتفاضة الشعبية التي عقد عليها الكثير من الآمال لإحداث تغيير إيجابي في العالم العربي، إلا أن هذا الأمل شهد انتكاسات حادة في بلاد مثل مصر وليبيا، والأمر الأكثر مأساوية في سوريا التي انجرفت إلى حرب أهلية طويلة ووحشية ومستمرة. لكن الربيع العربي لا يزال حياً في تونس، الواقعة في شمال إفريقيا على طول ساحل البحر المتوسط بين الجزائر وليبيا.
عوامل وآمال
تتعدد أسباب الأمر، ومنها مستويات تعليم جمهور الناخبين العالية، وعلاقات البلاد القوية مع فرنسا التي حافظت على تركيزها موجهاً نحو الاتحاد الأوروبي. وتضم البلاد عدداً كبيراً من المسلمين السنّة، ما يساعد على تجنب التحديات الطائفية التي نشأت بين السنّة والشيعة في دول إسلامية أخرى مثل العراق.
وظل حزب النهضة التونسي رسمياً محايداً في الانتخابات التي انتهت للتو، والتي هُزم فيها الرئيس التونسي المؤقت المنصف المرزوقي بوضوح، من قبل الباجي قايد السبسي الذي كان قد خدم تحت حكم الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي الذي أطيح في عام 2011 في انتفاضة الربيع العربي، والمعروفة أيضاً في تونس باسم «ثورة الياسمين».
ويبدو أن تفضيل الناخبين للسبسي على منافسه المرزوقي يرجع في المقام الأول إلى الرغبة في الاستقرار والأمل بإصلاحات اقتصادية تكون الحاجة إليها أكثر من الإصلاح السياسي.
خطوات كبيرة
وحققت تونس خطوات كبيرة في تطوير ديمقراطيتها الناشئة. فقد اعتمدت دستوراً جديداً، وأجرت للتو انتخابات تشريعية ورئاسية سلمية إلى حد كبير.
ولا تزال هناك بطبيعة الحال تحديات كبيرة. فالسبسي يمثل المنطقة الشمالية الأكثر ثراء في تونس، بينما تمتد جذور المرزوقي إلى المنطقة الجنوبية الفقيرة، إلى جانب أوراق اعتماده ناشطاً في مجال حقوق الإنسان، من الذين عارضوا الرئيس السابق زين العابدين بن علي.
وبدا السبسي الذي يمثل حزب نداء تونس، العلماني البارز، متصالحاً في غمار الفوز، وبعد إغلاق مراكز الاقتراع، قال: «أشكر المرزوقي، والآن يجب أن نعمل معاً دون استبعاد أي شخص».
وتعتمد كثير من البلدان الإسلامية الشريعة، أو قوانين قائمة على الممارسات الإسلامية التقليدية لتخطي الأسبقية في المجتمع المدني. ولكن الدستور التونسي الجديد يعلي من شأن القانون المدني، ويجعله مقدماً على غيره. وينص الدستور الجديد على أن: «السيادة للشعب، وهو مصدر السلطات جميعها».
موقف الشباب
قد يثبت الباجي قائد السبسي أنه شخصية مرحلية، فالشباب التونسي يطالب بحياة أفضل، وتشير نسبة إقبالهم الضعيفة نسبياً على الانتخابات الأخيرة، إلى أنهم قد لا يكونون متحمسين لأي من المرشحين. وعلى الرغم من التحديات المطروحة، أجريت انتخابات نزيهة وسلمية إلى حد كبير في تونس. وهذه الانتخابات محط ترحيب في البلاد، وقد تكون مؤشراً إلى إمكانية أن تكون تونس منارة للديمقراطية في الشرق الأوسط.
