مكنت الضربات الجوية، التي يقوم بها التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في العراق، الجيش العراقي ومقاتلي البشمركة الكردية وحلفاءهم من استرداد الأراضي التي استولى عليها تنظيم «داعش» خلال هجماته الأخيرة.

ولكن توصف وتيرة تحقيق المكاسب في المدينة السورية كوباني بالبطيئة، حيث حارب فيها الأكراد السوريون وحلفاؤهم عناصر «داعش» بتصميم واضح منذ سبتمبر الماضي وبدعم من الضربات الجوية. وعلى الرغم من خسارة التنظيم لمئات المقاتلين، إلا أنه أثبت أن من الصعب الإجهاز عليه، محافظاً على موطئ قدم قوي في البلدة الواقعة على الحدود.

تهجير السكان

وضيق تنظيم «داعش» الخناق على 381 قرية في المنطقة، واستولت مجموعته المقاتلة بسرعة مثيرة للقلق في شهر سبتمبر الماضي على تلك القرى، ما أثار موجة نزوح جماعي من نحو 200 ألف شخص إلى تركيا. ودفع ذلك الهجوم التحالف الدولي إلى إعادة النظر في استراتيجيته ضد التنظيم في سوريا، ودفع بالتعزيزات إلى كردستان العراق. ويقدر قادة كوباني الميدانيين أن الصراع لا يزال قائماً على ما لا يقل عن ثلث المدينة أو أنها لا تزال تحت سيطرة المسلحين.

وقال قائد منطقة كوباني أنور مسلم: «هناك اشتباكات في الشرق والجنوب. وتهاجمنا قوات داعش في الجبهة الشرقية على وجه الخصوص، ولكن معظم كوباني تحت سيطرة وحدات حماية الشعب. وننسق مع الأميركيين لاطلاعهم على مواقع التنظيم»، وأضاف: «هناك قتال شوارع، لذلك من الصعب جداً أن يسيطر التنظيم على مناطق جديدة في المدينة».

وتبقى الخطوط الأمامية في كوباني مفتوحة، حيث تتركز الاشتباكات حول سوق «آل هال» في الشرق وجبل «مش التنور» في الجنوب. ويمتلك تنظيم «داعش» أرضاً مرتفعة وبرجاً إذاعياً استراتيجياً غربي المدينة.

ويقول محمد أبو الحسن، وهو مقاتل يتعافى من طلق ناري: «في بعض الأحيان تكون مواقعنا قريبة جداً من بعضها بعضاً بحيث نتمكن من سماع بعضنا»، وأضاف: «يصيحون: نحن قادمون لقتلكم أيها الكفار، لقد غسل التنظيم أدمغة مقاتليه وأقنعهم بأنا لسنا مسلمين. وإذا أصيب رجالهم أو قتلوا، فإنهم لا يتراجعون. وإذا أصبحت الأمور سيئة حقاً، فإنهم مستعدون لتفجير أنفسهم. مقاتلو التنظيم مقتنعون بأنهم سيذهبون إلى الجنة ويكافئون بالعذارى».

وقال الجنرال المتقاعد جون ألين، منسق الائتلاف إنه في الوقت الذي لم تنجح فيه الضربات الجوية بطرد عناصر التنظيم من كوباني، فإنها استطاعت إيقاف هجومه عندما هدد باجتياح المدينة، وكلفته أيضاً خسائر فادحة في صفوف المسلحين، وأضاف: تنظيم «داعش» أضر بنفسه، في كوباني، بفقده أكثر من 600 مقاتل. وأعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان في ديسمبر الماضي، أنه قتل 905 عناصر من عناصر التنظيم.

دقة الضربات الجوية

ويتعجب العديد من المقاتلين من سرعة ودقة الضربات الجوية، مدعين أن نداءات الاستغاثة التي توجه من خلال غرفة العمليات العسكرية في كوباني تتم الاستجابة اليها في غضون 15 دقيقة فقط، في حال كانت هناك طائرة تحلق في الهواء، وليس لأكثر من 45 دقيقة إذا تطلب الأمر نشر إحداها.

ويقول بعض الخبراء إن هناك مسؤولين أميركيين اثنين موجودين في كوباني للمساعدة في تنسيق الجهود الجوية والأرضية، وهو ادعاء لا يمكن التحقق منه بشكل مستقل. ويرتدي مقاتلو «داعش» القبعات الواقية في فترات الهدوء بين الضربات الجوية لإجلاء جرحاهم. وقال مقاتل من منطقة سروج التركية: «إنهم يخفون أنفسهم عندما تحلق الطائرات الموجهة عن بعد فوق رؤوسهم».

وبالإضافة الى رفع الروح المعنوية، سمح الغطاء الجوي للقوات الكردية بشن هجمات في مناطق خارج سيطرتها. وتشن الطائرات هجمات جوية في قرى تبعد 25 ميلاً عن كوباني. وتساعد قوات البشمركة في العراق في الوقت الراهن على تعزيز الدفاعات داخل المدينة، بالاستعانة بـ 137 رجلاً لذلك.

ويقول الميجور عز الدين تيمو، وهو ضابط في قوات البشمركة من الذين جاؤوا إلى كوباني لمدة ثلاثة أشهر في نهاية أكتوبر الماضي: «نقاتل كل يوم، وأحرزنا تقدماً كثيراً منذ وصولنا»، وأضاف: «سنقيم احتفالين قريبا، السنة الجديدة والنصر في كوباني». يقول فارس القيم، من ثوار لواء الرقة في سوريا، التي تقاتل إلى جانب الأكراد في كوباني: «قبل الغارات الجوية، تمسك تنظيم داعش بمواقع مشابهة للمواقع الحالية، ولكن بقوة أكبر»، وأضاف «إذا قتلنا 100 مقاتل في يوم واحد فسيتم استبدالهم على الفور، إنهم مثل النمل تماماً. ويتم الآن تقسيم خطوط إمداداته، وتدمير قوافله. المعركة في كوباني ستستغرق وقتا طويلا، ولكننا سننتصر».

أولوية استراتيجية

يقول قادة ميدانيون إن الأولوية الاستراتيجية هي السيطرة على كوباني وحماية المدنيين الذين ظلوا فيها. وقررت نحو 80 عائلة تحمل البرد في مناطق الحرب بفصل الشتاء بدلاً من البحث عن ملجأ في تركيا. وعمل متطوعين أكراد على مدار الساعة على إرسال صناديق الغذاء والدواء لسكان بلدة سروج التركية، الواقعة على مقربة من الحدود. ويقول أحد المتطوعون في المدينة: «لا يوجد لدينا إمدادات طبية كافية».

ودمر هجوم انتحاري، أخيراً، آخر مستشفى قائم في كوباني. وهز الانفجار المعبر الحدودي الذي يربط المدينة بتركيا. وقال مسؤولون أكراد وعرب سوريون من الذين شاركوا في اشتباكات مع مقاتلي تنظيم «داعش» إن قوات التنظيم عبرت إلى تركيا لشن هذا الهجوم، وهو ما نفته أنقرة بشدة.