تسود حالة من الارتباك أوساط إسرائيل، وتلقي بظلال ثقيلة مستترة تحت الواجهة المصطنعة، وهذا أمر مفروغ منه، وسط جوار من بلدان الشرق الأوسط المتفتت، إلا أن الإسرائيليين يسألون عن وضع دولتهم ومستقبلها بإصرار محدد الملامح.

ومع انطلاق الحملة التمهيدية للانتخابات التي ستجري في مارس المقبل، تبدو هذه البلبلة مؤشراً على التغيير السياسي، في ظل الوضع الراهن الذي بات أثقل من القدرة على احتماله، بدمويته وفواصله غير الحاسمة.

إنه الوضع عينه الذي يحمل اسم بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي الموجود في منصبه للمرة الثالثة.

أما البديل فعلى الرغم من عدم وضوح ملامحه، فإنه لم يعد خارج نطاق الطرح.

صرح الروائي أموس أوز في إحدى المقابلات، أخيراً، قائلاً: «يسيطر ارتباك متزايد على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وهناك شعور متنامٍ بأن إسرائيل تغدو مجرد غيتو منعزل. ما لم تكن هناك دولتان متجاورتان، فلسطين وإسرائيل تعيشان جنباً إلى جنب، فسرعان ما ستسيطر الدولة الواحدة، وستكون عربية الطابع، أما الخيار الثاني فسيتمثل بديكتاتورية إسرائيلية ذات طابع قومي ديني، ربما يقمع الفلسطينيين واليهود المعارضين».

ظروف صعبة

إذا بدا الأمر قاسياً، فذلك لأن الخيارات تضيق، سيما مع إعراب الدول والبرلمانات الأوروبية عن دعمها للاعتراف بدولة فلسطين. والمبادرة في الأمم المتحدة من جانب فلسطين، والتي تعارضها الولايات المتحدة تهدف إلى دفع إسرائيل للانسحاب من الضفة الغربية بحلول العام 2017. لم تغير انتفاضة غزة الأخيرة شيئاً، ويسود التوتر في القدس. وقد تراجعت مصداقية نتنياهو على الجبهتين الداخلية والدولية.

وقال العالم السياسي الإسرائيلي شلومو آفينيري: «إننا نستيقظ كل صباح على تهديد جديد لنتنياهو، وقد تعبنا من ذلك». إلا أن التعب ترجم إلى تغيير أخيراً، اتسم ببروز مرشح على الساحة بوجه نتنياهو، هو رئيس حزب العمل إسحق هرتزوغ الذي أظهرت الاستطلاعات أنه يحظى بفرص متقاربة مع نتنياهو.

وقال هرتزوغ الذي أقام حلفاً، أخيراً، مع تسيبي ليفني، وزيرة العدل السابقة، والمتفاوضة منذ زمن مع الفلسطينيين: «لا يمكن للوضع أن يستمر هكذا، هناك قلق عميق حيال مستقبل إسرائيل وازدهارها. نتنياهو يقودنا إلى طريق مسدود، إلى الهاوية».

وقال المحلل السياسي الإسرائيلي أوفر كينيغ: «تشكل هذه الانتخابات نقطة مفصلية، علينا الاختيار بين أن نكون دولة ليبرالية، أو نتحول إلى بلد قومي ذي مركزية عرقية. وإني قلق من المسار الذي تتخذه إسرائيل».

الذاكرة والمستقبل

يمكن لذاكرة طفل غزاوي أن تحتوي مشاهد ثلاثة حروب غزت مخيلته في غضون ست سنوات فقط. ويمكن للطفل أن يقف وسط ما تبقى من حيّ الشجاعية شرقي مدينة غزة، محدقاً في حبائك القضبان الحديدية، وتلال الحجارة، والنتوءات المسننة من البناء، والهواء المثقل بالغبار. وقد يتساءل عن القوة، التي أمعنت في جلب الدمار على هذا النحو المتكرر، والسبب الذي دفعها للقيام بذلك.

ومن نافل القول إن هذا الطفل الفلسطيني الذي سيصبح بالغاً يوماً ما لن يحمل نوايا جيدة لإسرائيل، دون أن تكون هناك حاجة لتلقينه دروساً في الكراهية.

ذاك هو الواقع البائس وراء الخطب المتشدقة بوجود صيغ جديدة، وتدويل الصراع، ومقررات الأمم المتحدة، وما إلى ذلك. إن المطلب الفلسطيني المحق بتأسيس دولة يقوضه الانقسام المنهك الذي يعجز الرئيس الفلسطيني محمود عباس أو يتغاضى عن التعامل معه.

بحلول يناير 2015، يكون قد مضى على وجود عباس في السلطة عقد من الزمن، لم يبد خلاله أي مؤشرٍ على تنظيم الانتخابات الضرورية لإضفاء الشرعية على حكمه، أو لإظهار توازن القوى الحقيقي في السياسة الفلسطينية.

يشكل مواطنو غزة جزءاً مهماً من الفلسطينيين، وإن فعالية هؤلاء في التحرك باتجاه قيام دولة فلسطينية، بغياب الوحدة الفعلية والتسويات المؤلمة والضرورية بين حركتي فتح وحماس، يبقى لغزاً يجب اعتباره أولوية والعمل عليه بجدية.

السلطة الغائبة

يشكل الطفل الفلسطيني الذي يحيره الدمار في غزة مثالاً على كثير من الأطفال والعائلات الفلسطينية التي تتساءل أين عساها تذهب، وماذا عساها تفعل بعد أن دمرت إسرائيل منازل أمضت عمراً في بنائها، ومصالح كدّت كثيراً لجعلها باب رزقها. وكثيرة هي العائلات المنكوبة التي لم تتلق شيئاً من مليارات المساعدات الموعودة من الدول.

وقد تعهد الرئيس الفلسطيني محمود عباس عند تشكيل الحكومة الجديدة التي ولدت من رحم اتفاقية التسوية الموقعة بين فتح التي ينتمي إليها وحركة حماس. ليس هناك من وحدة ولا حكومة، في الواقع، في غزة.

لم يقم عباس بزيارة واحدة إلى المناطق المنكوبة في غزة منذ اندلاع الحرب، وتشكل زيارته بعد كل تلك العذابات التي عاناها شعبه، خطوة شجاعة إذا حدثت، سيما أنه بات ينظر إليه كشخص غريب من سكان غزة البالغ عددهم 1.8 مليون نسمة، ويعتبرونه الأب الغائب عن أمةٍ تحتاج إليه بشدة.