إنه الكابوس الذي لا يسمح قادة بريطانيا لشعبهم بالاستيقاظ منه. فمع عودة الجنود البريطانيين، أخيراً، إلى بلادهم من الحرب الخاطئة في أفغانستان، وتكشّف تفاصيل الشرور المرتكبة في غرف التعذيب المناهضة للإرهاب، أعلن وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون عودة مئات الجنود البريطانيين إلى العراق مجدداً. قد تقتصر مهمة هؤلاء الجنود على التدريب، إلا أن مخاطر تغير المهمة باتت حقيقية جداً الآن. لقد أظهرت المكاسب، التي حققها «داعش» في سوريا والعراق ضرورة التصدي له.

لكن لا يتوجب على قوات المشاة البريطانية أن تشارك في الحرب، فالغرب يلعب دوراً حيوياً في إطلاق هجمات جوية ضد أهداف «داعش»، كما أنه قد يحتاج لإمداد القوات العراقية والكردية بالتدريب والسلاح، شرط أن يقتصر تدخله عند هذا الحد.

ولا يشكل الأمر مسألة اضطراب داخلي، لكن سبب التضحية ينبغي أن يكون واضحاً. فالجنود البريطانيون ذهبوا إلى أفغانستان لمعاقبة القاعدة، وبقوا هناك لإعادة بناء الدولة الأفغانية من الصفر، وهو أمر كان يجب على الحكومة البريطانية المدركة لدروس التاريخ أن ترفضه.

أما في العراق فقد كانت المهمة تقتضي الإطاحة بنظام الرئيس العراقي صدام حسين، وانتهت بزعزعة نظام البلاد جذرياً، وأدت بشكل مباشر إلى ظهور «داعش»، حيث لا ينبغي التملص من مسؤولية مشاركة بريطانيا. وعلى حد قول الصحافي باتريك كوكبيرن، فإن تنظيم «داعش» هو «وليد هذه الحرب»، والمحصلة الخبيثة للإطاحة بنظام صدام، وإحلال حكومة شيعية محله، تحت أعين الغرب.

لكن يعود الأمر لدول الشرق الأوسط، بتناقضاتها الداخلية وعداواتها، في أن تتحمل المسؤولية الأكبر في القضاء على تنظيم «داعش»، ووضع أسس مرحلة ما بعد الهزيمة. قبل أن تتحول «المئات القليلة» التي تحدث عنها فالون إلى ألوف، يتعين لزاماً على الشعب البريطاني أن يوضح عدم قبوله بتورط الجنود البريطانيين في حرب شرق أوسطية أخرى.