تتخبط مساعي إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما حول وضع استراتيجية كبرى في الشرق الأوسط في مشكلات عميقة، وزاد الأمور سوءاً، الفشل في التوصل إلى عقد اتفاق مع إيران. وللمرة الأولى منذ السبعينيات على الأقل، لا يعتمد نجاح الأهداف الغربية على اختيار حليف في النزاع القائم بين الأطراف المتقاتلة، بل يستند إلى تسوية الخلافات، والعمل مع الفرقاء لمواجهة الخطر الذي يهدد الجميع، والمتمثل بتنظيم «داعش».
تتوغل الاضطرابات عميقاً في منطقة الشرق الأوسط اليوم، حيث يبدو أن نزعة التشدد تتصاعد في كل مكان، و«داعش» يقتطع مناطق من العراق وسوريا، مسبباً المتاعب للحكومات. وتواجه الولايات المتحدة مشكلة أساسية ناجمة عن تلك القلاقل، وهي صاحبة المصالح الكبرى في علاقتها مع دول المنطقة، إلا أن عدداً من المفارقات يقف عائقاً أمام وضع أي استراتيجية كبرى للتعامل مع الوضع المتزعزع السائد.
أولاً، من الواضح أن تحويل أميركا الانتباه عن الشرق الأوسط، والتركيز على آسيا لم يعد خياراً مطروحاً. وها قد بدأت إدارة أوباما التصدي لـ«داعش»، ومساندة الحكومة العراقية، وحشد الحلفاء لمواجهة التشدد، إلا أن كل تلك الخطوات تقع ضمن إطار الإدارة الطبيعية للأزمة، وليس وضع استراتيجية للتعامل معها.
الاستراتيجية تتطلب وضع أهداف على المدى الأطول، كتدعيم المؤسسات والحدود الوطنية، وإخماد النزاعات الإقليمية، واحتواء نزعة التشدد، على نحو تنتفي معه الحاجة لوجود أطول لأميركا في المنطقة. وتكمن المفارقة الثانية هنا في أنه على الرغم من ضرورة وجود الحلفاء العرب لأميركا، من أجل تحقيق الاستقرار الإقليمي وغايات السياسة الأميركية، فإنهم في موقع أضعف من أن يضمن إحلال الاستقرار بأكثر من أي مرة أخرى يذكرها التاريخ الحديث. هناك مفارقة ثالثة كذلك، تكمن في الدليل الساطع على أن أميركا ترى ضرورة التعاون مع إيران لإدارة النزاعات القائمة في سوريا والعراق.
لطالما كان لأميركا حلفاء في المنطقة، إلا أن ضرورة التعاون مع إيران برزت أخيراً، وتجلت في طلب أوباما علناً التنسيق مع إيران للقضاء على «داعش»، وهنا تبرز مفارقة رابعة تتمثل في اكتشاف أن تشدد «داعش» يعتبر مشكلة أكثر عناداً من إيران، التي ما عادت مشكلاتها مع أميركا تقف حاجزاً أمام الدبلوماسية، خلافاً للتنظيم الذي يهدد النظام العالمي.
اتخذ أوباما، رداً على ذلك، خطوات قد تتبلور باتجاه استراتيجية عظمى جديدة، وقد ترجمها بمحاولة تشكيل تحالف مع العرب للقضاء على «داعش»، والرغبة في عقد صفقة نووية مع إيران تمكنها من العمل بشكل علني وسري أكبر للقضاء على التشدد.
إلا أنه لا يمكن لاستراتيجية طويلة الأمد أن تقف عند هذا الحد في ظل المشكلات المعقدة والعتيقة للشرق الأوسط، حيث الثقة عملة نادرة، فبعد أن فكت أميركا ارتباطها بمشكلات المنطقة بحجة التركيز على آسيا زعزع الثقة في مدى إصرارها، وعزز ذلك سعيها إلى تحقيق الاستقلالية في مجال الحصول على موارد الطاقة.
يتطلب الإسهام في إيجاد شرق أوسط أكثر استقراراً التعامل المستمر مع جميع الأطراف في المنطقة، وكلما تحقق ذلك أسرع كان أسهل. لقد ساعدت أميركا، منذ عقود مضت، أوروبا الغربية التي مزقتها الحروب في تحقيق ما بدا مستحيلاً، ألا وهو بناء أسس دائمة للسلام. إذا كانت تجرؤ على تحقيق الأمر عينه في منطقة الشرق الأوسط، يتعين عليها البدء بالتفكير، والتخطيط على نحو أشمل لتحويل العداوات إلى تعاون الآن. يشكل الاستثمار في تلك الاستراتيجية الكبرى الطريق الأضمن لإبعاد أميركا عن مشكلات الشرق الأوسط.
نعم للحلول
أدركت أميركا حاجتها لجميع الفرقاء في الشرق الأوسط، ولذا فإن هدفها يقتضي تخفيف حدة النزاعات وليس إذكاءها. ويتطلب ذلك اللجوء إلى سياسة حاسمة وشاملة في آن لحشد الاصطفاف المطلوب لمواجهة «داعش».
