أعلن برناردينو ليون رئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم ليبيا، عن جولة محادثات جديدة بين الحكومتين المتنافستين في محاولة للتوصل إلى تسوية سياسية بينهما. ومن المتوقع أن يتم عقد المحادثات في منطقة غدامس على الحدود مع الجزائر. وتشكل مدينة غدامس، التي وصفتها اليونيسكو بأنها «مثال بارز على التجمع السكاني»، موقعاً مواتياً لعقد محادثات أساسية قد تساعد في تحديد مستقبل ليبيا.

أبدى كلا الطرفين استعداداً لخوض المحادثات، إنما وفق شروطه الخاصة. فالبرلمان المنتخب يريد أن تجري المحادثات ضمن إطار مبني على الاعتراف به على أنه الجهة المنتخبة الوحيدة، التي تمثل الشعب. في حين يريد قادة حركة «فجر ليبيا» من حكومة طبرق القبول بحكم المحكمة العليا.

يبدو أن ليون قد تخلى عن موقف الأمم المتحدة القائل بالاعتراف بحكومة طبرق برئاسة عبد الله الثني. إلا أن وكالة رويترز نقلت، أخيراً، عن أحد المسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، دون أن تذكر اسمه، قوله إن الأمل ضعيف في التوصل إلى محصلات جيدة من جولة المحادثات الثانية المقرر عقدها. وألقى باللائمة على التدخلات الإقليمية في شؤون ليبيا الداخلية.

لكن ما هي الخيارات المتاحة لانتشال ليبيا من حافة التقسيم، أو الوقوع ضحية حرب قبلية شاملة؟ لسوء الحظ، ليس هناك سوى اثنين من السيناريوهات، التي يمكن أن تؤدي إلى تسوية سياسية، وتنقذ البلاد المزيد من سفك الدماء، علماً بأن الخيارين ينطويان على مخاطر.

يتمثل أحد هذين السيناريوهين بتولي الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور الليبي رئاسة الحكومة، إلى حين يتم تنظيم انتخابات جديدة في البلاد. وتعتبر الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور الليبي جهةً منتخبةً بشكل مستقل، تفضل البقاء خارج إطار المماحكات السياسية، والتركيز على جوهر مهامها. وقد عملت، أخيراً، بشكل صامت على وضع دستور لليبيا في مدينة البيضاء الواقعة شرقي البلاد.

تواجه الهيئة إشكالية سياسية، تتمثل في الجهة التي ينبغي أن تسلمها المسودة النهائية للدستور، حيث إن تسليمها لحكومة طرابلس، يعني الاعتراف بولايتها الخاصة المنتهية في يونيو الماضي. أما تسليمها إلى طبرق، وهو من الواضح أنها ما ستقوم به، فيعرضها لخطر مقاطعة السياسيين في طرابلس، وستؤدي كلا الحالتين إلى موجة عنف في البلاد.

يبدو، في المشهد السياسي الليبي، أن أي جهة لا ترضى عن نتيجة الانتخابات، ستمضي بحرية إلى استخدام القوة لتغير الوضع وفق أجندتها الخاصة.

وقد نفذت حركة «فجر ليبيا» الصيف الماضي عمليتها، لأن قادتها، ومن بينهم جماعة الإخوان المسلمين، لم يتقبلوا نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي جرت في يونيو الماضي، والتي سجلت خسارة الجماعة، وقد أكدت العملية على الاعتقاد السائد بأن قوة صناديق الاقتراع لا تضاهي قوة الفصائل العسكرية المتخاصمة.

ويتمثل الخيار الثاني بتأليف نوع من حكومة تشارك السلطة القائمة على حالة الوضع الراهن في ليبيا، ويمكن تقسيم تلك السلطة بين حكومة طبرق المنتخبة، ونظيرتها غير المنتخبة في طرابلس. وتعتبر هذه الخطوة، مجدداً، محفوفةً بالمخاطر، حيث يصعب التصديق بأن هذين الخصمين قد يتقبل أحدهما شرعية الآخر، أو أن يكون مستعداً للعمل معه.

مما لا شك فيه، أن الوساطة حالياً في ليبيا باتت أصعب على ليون مما كانت عليه قبل بضعة أشهر، لكن يجب عليه المحاولة. علينا ألا ننسى أن التدخل الدولي في ليبيا عام 2011، استند على حماية المدنيين، ومساعدة البلاد على أن تصبح ديمقراطية. وينبغي على الهدف الأساسي من المهمة ألا يضيع وسط حالة الفوضى والحرب.

تغيرات عديدة

كانت ليبيا، منذ انهيار الجولة السابقة من المحادثات في سبتمبر الماضي، عرضةً للعديد من التغييرات، حيث حققت قوات اللواء خليفة حفتر بعض المكاسب في قتالها مع تحالف المليشيات. أما على الصعيد السياسي، فقد عزز القادة في طرابلس موقعهم، منذ أعلنت المحكمة الليبية العليا عدم شرعية الحكومة المنتخبة في طبرق.