قد يكون اتحاد عمال السيارات 2865، الذي يمثل ثلاثة عشر ألف عامل من الطلبة في تسع كليات بجامعة كاليفورنيا، أول اتحاد عمالي في الولايات المتحدة الأميركية ينضم إلى التحرك الذي تقوده فلسطين للمقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل.

ويأتي تصويت الاتحاد، أخيراً، تتويجاً لمرحلة تم العمل خلالها بجهد على التنظيم لحملة المقاطعة في كليات الجامعة وداخل المؤسسات الثقافية. وتكللت العملية بنجاح باهر، حين صوتت جمعية الدراسات الأميركية بشكل كاسح لصالح المقاطعة في ديسمبر 2013، وتبعتها جمعية الدراسات الأميركية الآسيوية، التي أصبحت في أبريل 2013 المؤسسة الثقافية الأولى، التي تتبنى مقاطعة إسرائيل.

تكتيك المحرومين

ومما لا شك فيه أن السعي نحو التصويت وعواقب ذلك سيشهدان تصعيداً في الدعاية الصهيونية المناهضة للمقاطعة. لذا من المهم أن نشير إلى نقطتين مهمتين في عملية التحضير للمستقبل. أولاً، تعتبر المقاطعة، تاريخياً، تكتيكاً يعتمده المحرومون بوجه الأقوياء، وهو ليس بجديد، وتمتد جذوره إلى الصراع المناهض للإمبريالية عالمياً.

ويقف الفلسطينيون جنباً إلى جنب مع المقاتلين الآخرين المناهضين للإمبريالية، أصحاب التاريخ الحافل والشرس من الصراع الذي يستحق تذكره اليوم، ليس لأنه يجب أن يكون جزءاً من ذاكرة التاريخ الجماعية، بل لأنهم انتصروا على الطغاة.

محصلات المقاطعة

ثانياً، يفرض تكتيك المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات متاعب محددة على إسرائيل وحلفائها، لأنه ليس تحركاً دولياً ولا هو مرتبط بدول محددة وحكامها. ويشكل نداء المجتمع المدني الفلسطيني عام 2005 للمقاطعة اعترافاً ونداءً للتضامن.

الاعتراف بأن الشعب الفلسطيني لم يعد قادراً على الاتكال على النخب العربية الحاكمة لتحقيق النصر العادل، نظراً للمساومة الحاصلة مع الليبرالية الجديدة والإمبريالية الأميركية.

وكان، بالتالي، نداء تضامن مع الجهات التي يمكن للفلسطينيين الاعتماد عليها، والمتمثلة بالمواطنين الدوليين القادرين على الوقوف معهم، بوجه حكومات بلدهم عادةً. يتمتع سجل مقاطعة الأنظمة الاستعمارية الاستيطانية بتاريخ طويل من النجاحات ومناهضة الإمبريالية الذي يدعو للفخر.

إلا أن الفلسطينيين، وخلافاً للحركات الثورية التقليدية، لا يملكون القوة الاستراتيجية ذاتها لإسرائيل، حيث يشكلون أقلية سكانية، مقارنةً بسكان إسرائيل الاستيطانية المستعمرة، بما يشكل أحد الأسباب الأساسية لاعتبار حق عودة اللاجئين الفلسطينيين مطلباً غير قابل للتفاوض إطلاقاً.

في حدود فلسطين التاريخية، عموماً، يشكل السكان الفلسطينيون والإسرائيليون تقارباً عددياً كبيراً. مما يعني أنه، من الناحية العددية، لا يمكن للفلسطينيين في إطار حدود فلسطين، أن يشكلوا عامل ضغط استراتيجي على المستوطنين، إلا أن البقية تقدر على ذلك.

الثورة الكامنة

ما من شك في أن الفلسطينيين قد زودوا صراعات أواخر القرن العشرين بالنفحة القتالية، حتى أنه يسعني الذهاب إلى أبعد من ذلك والقول إن المقاومة الفلسطينية عموماً، والانتفاضات خصوصاً، قد منحت الأمل والثقة للعرب. إلا أنه لا يمكن للفلسطينيين أن يربحوا تلك المعركة وحيدين، كما أنها ليست معركتهم وحسب.

أولاً، يؤكد الواقع أن الفلسطينيين شعب أعزل بمجمله يقاوم دولةً من أكثر الدول تسليحاً على وجه الكرة الأرضية، وهي تستخدم قوتها القاتلة ضد الجميع بمن فيهم الأطفال. ثانياً، معظم أسلحة إسرائيل يتم التزود بها عن طريق دول الشمال، حيث تتصدر الولايات اللائحة، مما يعني أنه يمكن ممارسة الضغط على تلك الحكومات لوقف المذبحة ضد الفلسطينيين.

يمكن مقاطعة المراكب الإسرائيلية وتمرير قوانين المقاطعة في الأوساط الطلابية، والاتحادات العمالية، والمنظمات المهنية. كما يمكن إرغام المؤسسات على إقفال مصانعها القائمة على الأراضي الفلسطينية المحتلة بوجه لاشرعي.

ويمكن القيام بذلك لأننا كثر عددياً، والشعب الذي يقاوم جدار الفصل العنصري الإسرائيلي قد يكون قوياً لكنه يبقى ضمن فئة الأقلية. إن سقوط جدار الفصل العنصري لا يعني النصر لفلسطين وحسب، بل قد يشكل صفعةً شاملة للإمبريالية العالمية، ويمنح شعوراً بالتحرر.

لذا من المهم أن نذكر بتقليد المقاطعة العالمي والعميق، بينما نستعد لطرح قانون المقاطعة في المدارس والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني. تماماً كما فعل اتحاد السيارات، أخيراً.

الأمور بخواتيمها

تحققت خطوة التصويت على المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل، على الرغم من الاستجابة لموجة العنف المدمر التي شنتها إسرائيل على حياة ومنازل الفلسطينيين، خلال الحملة العسكرية الوحشية ومجزرة غزة.

يمكن الحكم على مدى نجاح التصويت، من خلال قياس نسبة غضب المنظمات الصهيونية، مثل رابطة مكافحة التشهير، التي وضعت لائحة بأسماء جميع الجامعات التي درست تطبيق المقاطعة في العام 2014 أو صوتت لصالحها. وقالت الرابطة: « لعل أكثر ما يثير القلق هو مستوى دعم المقاطعة المتسرب إلى قطاع المثقفين».

يمكن للبقية المناصرة لتحقيق العدالة في فلسطين أن تلبي نداء التضامن الفلسطيني وتحتشد لتطبيق المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على سياسة الفصل العنصري في إسرائيل.