منذ اندلاع الصراع في جنوب السودان قبل نحو عام، نزح أكثر من مليون شخص بفعل المعارك العنيفة، غير المنتهية على ما يبدو، إلى المدن الرئيسية في ولايتي الوحدة وجونقلي وأعالي النيل، وهي أماكن من المحتمل أن يكون القارئ قد سمع القليل عنها فقط بالنظر إلى تغطيتها الضعيفة إعلاميا في وسائل الإعلام الدولية.
تهيمن على تغطية الأزمة المستمرة في جنوب السودان حتى الآن رسالتان: الأولى هي أن الخلاف الناشب بين أعضاء أول حكومة في هذا البلد الناشئ أفضى إلى اشعال توترات عرقية متأججة في جنوب السودان، والتي انفجرت في النهاية متحولة إلى صراع مفتوح.
أزمات متلاحقة
ثانيا، أن الأمم المتحدة تتوقع حدوث أزمة غذائية كبيرة من صنع الإنسان قبل نهاية هذا العام، مشيرة إلى احتمالية وفاة نحو 50 ألف طفل، إذا لم يتم تصعيد التدخل في الوقت المناسب.
غير أن هناك أزمة أخرى تلوح في الأفق تؤثر على مئات الألوف من المدنيين الذين يسعون للهرب من العنف الوحشي في الصراع الحالي. ولحسن الحظ، فإنه لايزال من الممكن تجنب «أزمة الحماية» هذه، ولكن فقط في حال اتخذت تدابير عاجلة في أقرب وقت ممكن.
ومنذ اندلاع أعمال العنف قبل عام، والتي أثارت البؤس الحالي في جنوب السودان، عمد مسلحون من جانبي الصراع على ترويع السكان المدنيين في البلاد، عبر القتل والهجمات العشوائية وغيرها من الأفعال الوحشية.
وكان من حسن الحظ خلال مواجهة هذا العنف الذي لا يهدأ أن للأمم المتحدة مهام تؤديها بالفعل على أرض المعركة في جنوب السودان. وتعرف البعثة الأممية اختصارا باسم «يو أن مس»، وتهدف في الأساس إلى المساعدة في تطوير البلاد سلميا، وهو ما لم تنجح فيه حتى الآن. إلا أن مهمة البعثة الثانية ضمنت توفير المأوى لآلاف الفارين من جنوب السودان.
مواقع حماية المدنيين هذه لم تكن مجهزة في البداية لتوفير الغذاء الكافي والماء والمأوى لألوف الناس المحتاجين لها، لكنها وفرت ملجأ لهم من العنف. إلا أن الاكتظاظ الشديد إلى جانب موسم الأمطار سيئة السمعة في جنوب السودان حول كثيرا من هذه المواقع إلى بالوعات غمرتها المياه.
وتعد الظروف المعيشية في جنوب السودان سيئة للغاية، لا سيما مع نقص الماء والغذاء المستمر، وانحصار معظم الناس في المناطق المنخفضة، والتي أصبحت مستنقعات للإصابة بالأمراض. العنف وسوء التغذية وآفة الكوليرا، كل ذلك أضاف الكثير إلى بؤسهم.
حماية المدنيين
وبعد مرور أشهر على تفويض حماية المدنيين الجديد، يبدو أن تعريف مفهوم «الحماية» أصبح يطبق في حدوده الأضيق، فالأسلاك والحواجز المصممة للحفاظ على الناس من أعمال العنف غير كافية، لأن الأمراض تهددهم، فضلا عن سوء التغذية، وكل ما يحتاجه الأمر هو حل مشكلات الصرف الصحي لتمكينهم من مواجهة بعض التهديدات الصحية الأكثر إلحاحا.
وبينما ركز بعض مديري مواقع الأمم المتحدة هذه على تحسين الصرف الصحي، وحفر المزيد من المراحيض، وتوسيع المسافة بين الخيام، اختار آخرون تجاهل المخاطر، بذريعة أن الناس اعتادت على العيش في مثل هذه الظروف، وعليه فالتغيير لن يأتي بجديد.
وفي أحد الأوضاع السيئة، على الرغم من شكر قادة المخيم لأعضاء منظمة «أطباء بلا حدود» لمنعهم انتشار مرض الكوليرا، إلا أنه تم رفض تزويدهم بالأمور المطلوبة لتثبيت المراحيض، وإقامة مشرحة على مسافة آمنة من المستشفى الجديد، وذلك على الرغم من أنهم عملوا على توفير الرعاية الصحية لأولئك المحاصرين في العديد من المواقع.
ويجدر شكر بعثات الأمم المتحدة لأخذها التدابير الأساسية الضرورية لمنع زيادة انتشار الأمراض، بما فيها الكوليرا والحصبة والتهاب الكبد والملاريا والحمى السوداء، حيث أنقذت بذلك ألوف الأرواح. ولكن الهيئة العالمية الآن تجادل حول من ينبغي أن يواصل حماية المدنيين. وهناك أصوات في الهيئة تريد تسليم المخيمات، على الرغم من أنه لا يوجد أحد آخر يستطيع ضمان أمن السكان.
ظروف مأساوية
أصبحت خيام المدنيين في جنوب السودان سجونا مكتظة، وغمرت مياه الصرف الصحي كثيرا من المواقع، وانتشرت الأمراض. ويجب أن يتضمن الالتزام الحقيقي تجاه السكان، حمايتهم من الجوع، والمرض، والعنف الجنسي، والألم النفسي.
ويجب على الأمم المتحدة والجهات المانحة الرئيسية التأكد من توفير الأموال لتحسين الظروف المعيشية للناس تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، وتحسين المواقع الأمنية الخاصة بحماية الناس، ووقف النقاش في الموضوع.
ويجب تهنئة الأمم المتحدة على جهودها حتى الآن في إنقاذ ألوف الأشخاص من أسوأ النزاعات في جنوب السودان، أخيرا. ويجب الآن إنقاذ أولئك الذين يعيشون تحت رعايتها، والذين يجدون أنفسهم محاصرين في شكل آخر من أشكال الجحيم.

