عادةً ما يتخذ الرؤساء إجراءات يتدخل الواقع لتبديلها، وتنطوي هذه الدائرة المفرغة على مفارقة من نوع خاص بالنسبة للرئيس الأميركي باراك أوباما، حيث بدا منذ عام مضى فقط أنه قد يضع حداً لأطول حربين في تاريخ الولايات المتحدة قبل انتهاء ولايته.

إلا أنه قد ورط أميركا في ستة صراعات لا تبدو نهاية لها في الأفق بحلول موعد الولاية المقبلة، إلا إذا اختارت أميركا الانسحاب والهزيمة.

أفغانستان

في البدء كانت الحرب على أفغانستان، و«التحول» المقبل بنهاية 2014 لن ينهي الدور الأميركي في الصراع، ولا يتيح للولايات المتحدة ادعاء تحقيق أي شكل من أشكال الانتصار.

وقد سبق لأوباما أن اضطر للإقرار بأن خطته السابقة القاضية بتقليص قوام الجيش الأميركي هناك إلى 9800 عنصر تقتصر مهمتهم على التدريب والمساعدة لم تنجح. قطع أوباما وعوداً ما كان يجب أن يتعهد بها، ولا يسعه تحقيقها ربما من دون أن يخسر حرب أميركا الأطول.

الحرب على «داعش»

سبق لكبار الضباط الأميركيين أن صرحوا بأن إخراج قوات تنظيم «داعش» من العراق قد يستغرق ثلاث سنوات، مع عدم التأكيد على حتمية القضاء عليه تماماً، ومن دون التطرق إلى ما يحصل للتنظيمات القتالية الأخرى في سوريا.

قادت الولايات المتحدة ائتلافاً موسعاً لمحاربة «داعش»، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا حققت أي وحدة مع حلفائها من العرب أو الدول الأخرى المناهضة للتشدد أي انتصار. هناك ما يشبه الاتفاق العالمي على أن حركات العنف والتشدد تتخذ مساراً تصاعدياً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأنه ما من جهة تحقق أي فوز في «الحرب الطويلة» على الإرهاب.

حرب مستمرة في العراق

على غرار الحرب الأفغانية، لم تصل حرب العراق إلى نهايتها بعد. ويبقى مستقبل ذلك البلد، واستقرار الخليج، وإمكانية هزيمة «داعش» في العراق، متوقفة على مسار الحرب الأهلية هناك.

تحتاج الولايات المتحدة في العراق، كما في أفغانستان، إلى فرض حضور أوسع في تدريب ومساعدة القوى الموجودة على الأرض، وتنفيذ انتشار فاعل في مناطق الصراع.

لن تكون هناك ضرورة ربما لنشر وحدات القتال الرئيسية وتوريطها في الصراعات الإثنية والطائفية، إلا أن فرض قوانين صارمة حيال الحدّ من الغوص في الوحول العراقية قد يكلف أميركا هزيمة مدوية في حربها هناك ضد «داعش»، حيث غياب الاستراتيجية الواضحة، والخطط العملانية، والإعلان عن مجريات القتال، أي الشفافية عموماً، تشكل، كما الحقيقة، أولى ضحايا الحرب.

الحرب في سوريا

بالنسبة للحرب الرابعة هذه، فإن أميركا متورطة فيها سواء رغبت بالاعتراف بذلك أم لا. فهي تدرّب بشكل ناشط ما تتمنى أن يشكل قوات ثورية سورية معتدلة وفاعلة، علماً أن تلك القوات الآن تتعرض لشر الهزائم، ولم تذكر الإدارة الأميركية بعد الهدف من تدريبها ولا كيف يمكن أن تحدث فرقاً.

لجأت الولايات المتحدة كذلك إلى تنفيذ هجمات جوية على سوريا على نحو ساعد نظام الرئيس السوري بشار الأسد بشكل غير مقصود، وقد أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» أن «25 في المئة فقط من الضربات الجوية الـ450 التي نفذت على سوريا كان مخططا له مسبقاً».

لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت قوات الأسد قادرة على استغلال الوضع فعلياً، لكن الغموض يلف كذلك الطريقة التي تنوي أميركا من خلالها التعامل مع مجريات الحرب هناك وتجنب الانجرار إلى حرب أهلية سورية على مستوى أعمق.

الصراع في اليمن

الحرب الخامسة تشنها أميركا على اليمن، حيث القضية الأكثر إلحاحاً تتمثل في اكتساح الحوثيين للحكومة والقوات المسلحة اليمنية المدعومة أميركياً وسيطرتهم على صنعاء. وقد أسفر هذا الواقع عن تراجع إمكانية أميركا واليمن في مهاجمة عناصر القاعدة، ورفع من خطورة بروز حركة انفصالية أخرى جنوب البلاد.

وتشكل هذه انتكاسة خطيرة في حرب أعلن أوباما في 10 سبتمبر الماضي أنها تحرز تقدماً. كما تذكّر أن الحرب على التشدد لا يمكن أن يقتصر على قتال «داعش» فقط في ظل حصول حوادث إرهابية أخرى، تتطلب عمل أميركا الحثيث مع حلفائها للقضاء عليها.

الحرب السادسة

هناك، أخيراً، شبح حرب أميركية مع إيران، التي تمعن في تعزيز قواتها البحرية والجوية. ليست الشراكة الاستراتيجية سوى خطابات تحاول شراء مستوى معين من الردع المبني على إمكانية خوض حرب أساسية.

التغيير المطلوب

تحتاج الإدارة الأميركية إلى أن تظهر قدرتها على اتخاذ الخيارات الصعبة، ووضع خطط مناسبة، والقيام بالتحليلات والإجراءات، التي تعكس تقدمها في الحرب.

يحتاج الكونغرس لأن يطالب بالمحاسبة، والشفافية، والحصول على تقارير صحيحة. ويحتاج الإعلام، والمؤسسات البحثية لإمعان النظر في مسار الأحداث، فالحروب الست تعرض الولايات المتحدة لمخاطر تفوق ما أبدته من قدرة على التعامل معها حتى الآن.