حافظ تنظيم «داعش» على معاقل السيطرة في العراق وسوريا، بعد مرور ما يزيد على شهرين على بدء تدخل قوات التحالف العسكري. وقد ساهم القصف، على الأقل، في إبطاء توسّع التنظيم وتقليص موجوداته، إلا أن التكتيكات المتبعة لم تحمل فعلياً أرجحية القضاء عليه.
إذ لجأ التنظيم في الواقع إلى استغلال تلك الهجمات لنشر دعاية معادية للقوات الدولية، وجنّد المزيد من المقاتلين.
يبدو تنظيم «داعش» عند مقارنته شبيهاً بالجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر، التي أصبحت ما بين الأعوام 1991 و1993 أحد التنظيمات الأبرز في العالم، وأدخلت الجزائر في حرب أهلية دامت أكثر من عشر سنوات، وحصدت ما يزيد على 150 ألف شخص.
سيطرت عناصر هذه الجماعة على المناطق التي وصفها بالمحررة، وحكمتها على أساس أنها «دولة موازية» ذات برامج اجتماعية خاصة بها، وعملت على تطبيق أحكام الشريعة بشكل صارم فيها.
سلّطت السلطات الجزائرية تركيزها على تكتيكين أساسيين للتعامل مع المستجدات الأمنية على أرضها، هما الفساد والاختراق.
تعمّد الجيش ترك مناطق كاملة بأيدي ميليشيات الجماعة، وطوقها دون محاولة تفكيكها بشكل ناشط. وحفز، بعد أن تركها تهترئ، بروز ظروف معاكسة، وساعد العنف المتناهي لقيادة الجماعة على زعزعة العلاقات بين المتشددين والشعب.
حلّت الهزيمة بالجماعة، أخيراً، في العام 1995، حين نظم الشعب «مقاومة محلية» مناهضة للإرهاب، عبر تشكيل مجموعات ميليشياوية أطلق عليها اسم «الوطنيون»، أو «مجموعات الدفاع الذاتي» تحت حماية الجيش.
خسرت قوات الجماعة دعم الشعب تدريجياً، وأصبحت معزولة، وتنازلت عن سلطة حكم المناطق، التي كانت تحت سيطرتها للجيش المدعوم بميليشيات بالنيابة، يصل تعدادها إلى 60 ألف مقاتل.
ضمنت الحكومة الجزائرية ولاء تلك الميليشيات عبر توفير الحوافز، كدفع أجور تبلغ ثلاثة أضعاف متوسط الأجور، كما باشرت الدولة اتباع سياسة تجنيد عنصر الشباب في الجزائر.
وتمثلت الاستراتيجية الثانية، التي اتبعتها الحكومة الجزائرية باختراق ميليشيات الجماعة الإرهابية المسلحة. ونشرت إدارة الاستخبارات والأمن خلايا نائمة داخل صفوف الجماعة.
وتمكن هؤلاء العملاء بعد أشهر، وربما سنوات من الاختراق، من شق طريقهم إلى أعلى المراتب القيادية في الجماعة، وباتوا قادرين على المشاركة في صنع القرار. وكان بعضهم منخرطاً بما يصعب تمييزه تقريباً عن المقاتلين الحقيقيين للجماعة. وقد ساهمت الخلايا النائمة، من خلال اعتماد تكتيك الاختراق، في تفكيك الجماعة من الداخل.
اليوم، وأكثر من أي وقتٍ مضى، تبدو التجربة الجزائرية على ارتباط وثيق بتنظيم «داعش».
ويشكل تطبيق استراتيجيات مثل الفساد والاختراق حلاً بديلاً قد يؤدي إلى انفجار التنظيم من الداخل. في الواقع، يؤدي اجتماع عنصري البيئة القمعية للمنظمة المغلقة، والبنية المعادية إلى ارتفاع وتيرة العنف المستهدف للمواطنين من الشعب.
إذا تُرك تنظيم «داعش» ليهترئ، فإن المناطق الواقعة تحت سيطرنه ستنتفض بوجه محتليها في النهاية. لقد سبق للتعبئة الجماهيرية أن انطلقت في بعض المناطق، كما يثبت تشكيل كتيبة الموصل.
يتعين على المناوئين لتنظيم «داعش» التعويل على ركائز المقاومة الأولى الناشئة كوسيلة لإقناع الشعب بتحدي المقاتلين ال«داعشيين».
على غرار مثال الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر، فإن عزل تنظيم «داعش» سيضرب نشاطاته في العمق، ويجعله أكثر هشاشةً. وسيتكفل الاختراق بالباقي، ويؤدي إلى تفكك التنظيم، وسيسفر ذلك في النهاية عن تشعب التنظيم إلى فصائل.
فروقات
لعل الفارق الأبرز بين تنظيم «داعش» والجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر يكمن في حقيقة أن تصرفات الأخيرة لم تتخط الحدود الدولية، كما أن الصراع لم يشهد تدخل قوى أجنبية. على الرغم من تلك الفروقات، فإن التناظر الجزائري يظل صائباً عبر توفيره لمحةً عن تعامل الجيش الوطني الشعبي مع تلك الجماعة المتشددة.

