العالم يتغير ويصبح أكثر خطورة، بصورة غير مسبوقة. ففي العقد الذي سبق الحرب العالمية الأولى، أصبح السلام الأوروبي الذي دام قرابة مئة عام، عقب سقوط نابليون، أمراً مفروغاً منه، إلا أنه انهار فجأة عام 1914، وبدت الحروب الصغيرة السابقة في البلقان كأنها نذر حرب أكبر، غير أنه تم تجاهلها.

ولم تستطع الإمبراطوريتان النمساوية المجرية والعثمانية المنهمكتان بمشكلاتهما السيطرة على الحركات القومية في الأقاليم التابعة لهما، وكانت الإمبراطورية البريطانية قد بدأت بالأفول، بينما مضت الامبراطورية الألمانية في الصعود.

في حين واجهت روسيا القيصرية ثورة عارمة، وشكل انحدار بعض الدول فرصة لصعود أخرى.

تكرار الأحداث

الأحداث ذاتها تكررت عام 1939، إلا أن مأساة معاهدة فرساي عام 1919 لم تكن في الحقيقة قاسية جدا، بل كانت أكثر اعتدالا مقارنة بما فرضته ألمانيا على روسيا لدى هزيمة الأخيرة عام 1918 أو بالشروط التي فرضتها على فرنسا عام 1914.

بدلاً من ذلك، جمعت معاهدة فرساي أسوأ ما في العالمين، الصياغة الصارمة من دون أي وسيلة للتطبيق. وتبع ذلك محاولات استرضاء من جانب كل من بريطانيا وفرنسا، وتقوقع الولايات المتحدة على نفسها، وتواطؤ الاتحاد السوفيتي مع ألمانيا النازية، وهو ما أعطى أدولف هتلر الضوء الأخضر لشن العدوان والبدء بحرب عالمية أخرى.

إننا ندخل اليوم منحدراً خطراً مشابها، يتمثل في انهيار أسعار النفط، الذي يعتبر أمراً جيداً لمعظم دول العالم، إلا أنه سيجعل دولاً مثل إيران وروسيا تقدم على مزيد من المخاطر.

ترى جماعات إرهابية مثل تنظيم «داعش» أن ليس للقوى العسكرية التقليدية أي تأثير على جدول أعمالها. ويُنظر للغرب على أنه متعب اقتصاديا واجتماعيا، ولحلف شمال الأطلسي «ناتو» على أنه يفتقر إلى التمويل الكافي وإلى القيادة الأميركية القوية، وأن كل ما في وسعها هو أن تأمل عدم غزو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أي بلد عضو في «ناتو» مثل استونيا، بدلا من الاستعداد فعليا لذلك الاحتمال، الذي قد يتحقق سريعا.

وخفضت الولايات المتحدة ميزانيتها العسكرية لأدنى مستوياتها على مر تاريخها، في رسالة إلى دول العالم مفادها أن الصداقة معها تأتي بإيجابيات محدودة، في حين أن عداءها يأتي بعواقب أقل.

العلاقات الأميركية القوية مع الحلفاء مثل استراليا وبريطانيا وكندا واليابان وإسرائيل تتلاشى، وبدلا من ذلك، نشهد صعود دول جديدة ليست على الوفاق ذاته مع واشطن، مثل تركيا وإيران.

وليس لدى أي من تلك الأطراف وسيلة لإقناع الصين الصاعدة بأن اتجاهها إلى العدوان العسكري لن ينتهي إلا بكارثة، في صورة تماثل ما أقدمت عليه الامبراطوري اليابانية من أفعال مبالغ فيها في الحرب العالمية الثانية. فإلقاء الخطب جهارا والتهديد المستمر عسكريا لم يجعل قادة حروب ثلاثينيات القرن العشرين اليابانيين يحصلون على أي منافع، وهذا الأسلوب لن يؤتي أكله مع قادة الصين الشيوعية أيضا.

انتشار التطرف

التطرف اليوم بات ينتشر بالطريقة ذاتها التي انتشرت بها الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية ما بعد الاستعمار. الفارق هذه المرة أن هناك ردود فعل ضعيفة من الغرب الديمقراطي، الذي يعتمد نظام السوق الحرة. اليأس الغربي هذا هو أسوأ ما في الأمر، حيث تبدو القوى الغربية عاجزة عن تحديد أماكن انتشار العنف.

في ظل هذه الظروف، تبدأ الحروب في التاريخ عادة عندما يقدم بعض الانتهازيين الضعفاء نسبياً في كثير من الأحيان على فعل يفتقر إلى الحكمة، على أمل أن تفوق فوائده المخاطر المُتصورة. ويطوق هذا العداء فقط عندما تبين الدول الأكثر قوة مجتمعة للمعتدي أن شنه للحرب سيكون أقرب للانتحار.

الأمر المخيف في هذه الأوقات غير المستقرة هو اعتقاد الولايات المتحدة القوية أنها ضعيفة أو أن وصايتها السابقة عقب الحرب العالمية الثانية كانت إما خاطئة أو مكلفة جدا، أو أنها بعد حرب أفغانستان والعراق وليبيا لم تعد تمثل قوة تغيير إيجابي.

هناك حرب كبرى تلوح في الأفق، قد تكون تكلفتها أعلى من اليقظة الحذرة التي يمكن أن توقفها.

بين الماضي والحاضر

شجعت الولايات المتحدة أميركا اللاتينية في وقت من الأوقات على الانتقال إلى الحكم الدستوري ونظام السوق الحرة، والابتعاد عن الديكتاتوريات اليمينية. إلا أن واشنطن تبدو الآن غير مهتمة بتكرار ذلك، لأن الدكتاتوريات اليسارية باتت تهدد فكرة الحرية وحقوق الإنسان على نحو الحكومات اليمينية ذاته.

كان من المثير للشفقة في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي أن الدول ذات الجيوش القوية مثل فرنسا وبريطانيا بدأت باسترضاء الزعيم الفاشي بينيتو موسوليني، وسمحت لجيشه الضعيف أن يفعل ما يحلو له، متمثلا في غزو إثيوبيا. وبالمثل، يسعى المفاوضون الذين يمثلون دولاً إقليمية اليوم إلى إملاء شروط بلادهم على الولايات المتحدة.