انفتح المجال للكثير من التساؤلات بعد طرد وزير الدفاع الأميركي تشاك هاغل، المحارب القديم في فيتنام، والجمهوري الوحيد في فريق الأمن القومي للرئيس الأميركي باراك أوباما.
وقد جاء تقييم السناتور والمرشح الرئاسي الأميركي السابق جون ماكين دقيقاً حين قال: « لم ينضم هاغل يوماً، في الواقع إلى دائرة المقربين من البيت الأبيض، التي تتخذ جميع القرارات المسؤولة عن الوضع الكارثي المذهل، الذي نعيشه اليوم في مختلف أنحاء العالم.»
لا شك أن السياسة الخارجية لأميركا تتخبط في حالة من الفوضى، لكن ما هي تلك «القرارات»، التي أنتجت ذلك «الوضع الكارثي المذهل»؟ من الذي اتخذها؟ ومن كان داعماً لها؟
يقع اللوم أولاً على قرار الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن باجتياح العراق، وهو قرار حصل على تصويت كل من أعضاء مجلس الشيوخ: جون ماكين، وجو بايدن وجون كيري وهيلاري كلينتون.
أما هاغل، فقد أقر أنه اقترف خطأً بتصويته لصالح القرار. أقدمت أميركا باجتياحها للعراق على الإطاحة بنظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين ونظامه البعثي. واليوم، يسيطر تنظيم «داعش» المتفرع عن «القاعدة» على مدينتي الموصل والأنبار وثلث سنة العراق.
إقليم كردستان يتفكك، وتسيطر الحكومة الشيعية في بغداد، المرتبطة بجهات خارجية، والمدعومة من ميليشيات معادية لأميركا على الباقي. أما الأعمال الإرهابية فخبز العراق اليومي.
صدر القرار الثاني عام 2011، حين ظهرت حركة مسلحة ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، حيث لعبت أميركا دور الداعم والمساند، وحيث قال أوباما بضرورة رحيل الأسد وأيده المحافظون الجدد.
هل سقط نظام الأسد فعلاً، وهل تم قصف الجيش السوري كما أراد أوباما، وكيرين وماكين، سيما وأن عناصر «داعش» و«القاعدة» قد يكونون في دمشق اليوم. تواجه أميركا قراراً آخر يقضي باجتياح سوريا أو التساهل مع نظام تعتبره متشدداً في قلب الشرق الأوسط.
ويتمثل القرار الثالث بحرب الولايات المتحدة و«ناتو» على نظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي. بعد أن خدعت أميركا الروس، وأكدت لهم أنها تريد دعم مجلس الأمن في استعمال السلاح الجوي لتفادي حدوث مجزرة في بنغازي، قصفت البلاد لنصف عام، وأسقطت القذافي. ونشأت على أنقاض الدولة حكومة ضعيفة، وقاعدة مخيم استراتيجي لتنظيم «داعش».
دعمت أميركا، أخيراً، حركة الانقلاب في أوكرانيا، ونجحت في إسقاط الرئيس السابق فكتور يانوكوفيتش، وفرض رئيس موالٍ للغرب. على الأثر، قام بوتين بإعادة ضم القرم، واستعادة القاعدة الروسية البحرية في البحر الأسود، ودعم حركة الأوكرانيين المؤيدين لروسيا.
تفرض الولايات المتحدة اليوم عقوبات على روسيا، وتدفعها أكثر للابتعاد عن الغرب وإعادة التحالف مع بكين، التي عقد معها بوتين صفقتين على المدى الطويل بقيمة 700 مليار دولار أميركي، تقضيان إمدادها بالغاز والنفط الروسيين.
وفي حين ترسل الولايات المتحدة وحلف «ناتو» الطائرات، والسفن، والجيوش لتظهر مدى جديتها في التعامل مع مسألتي البلطيق وأكرانيا، تختبر الطائرات والسفن الروسية الدفاعات الغربية من فلندا إلى السويد امتداداً إلى البرتغال، وصولاً إلى ألاسكا والسواحل القارية للولايات المتحدة.
نعود للتساؤل مجدداً، من هي الجهة التي اتخذت القرارات المسؤولة عن الكارثة؟ هل هم أولئك الانعزاليون مجدداً؟
الممارسات الأميركية
قرر الرئيس الأميركي جورج بوش ضم ثلاث من دول البلطيق، هي مولدوفا وأوكرانيا وجورجيا، إلى حلف «ناتو»، وحظي بدعم ماكين والمحافظين الجدد والليبراليين. وسعت أميركا منذ العام 1991 إلى قطع إمدادات النفط والغاز الروسية القادمة من بحر قزوين عبر مدّ أنابيب تعبر القوقاز إلى تركيا، وقصفت كوسوفو، ونظمت ثورات في عواصم سوفييتية سابقة لانتزاعها من دائرة التأثير الروسي.

