طالب بول راند عضو مجلس الشيوخ الأميركي، الذي لا يزال معارضاً لغزو العراق عام 2003، بإعلان الحرب على «داعش» والاشتراك في التحرك العسكري في العراق، بحجة أن «الأمن القومي» بخطر. لماذا لا تدع أميركا العراق وشأنه؟ ألم تُلحق الحكومة الأميركية ما يكفي من الأضرار بهذا البلد؟
فلننظر إلى الدمار الناجم عن الاجتياح والاحتلال، فالمنازل والشركات والطرقات والجسور، كلها قصفت، وتعرضت لإطلاق النار، والدمار.
ولننظر إلى جلسات التعذيب في أبو غريب، والأسرى العراقيين الذين تعرضوا للإعدام تحت أنظار وكالة الاستخبارات المركزية، والجيش الأميركي. لننظر في الواقع، إلى النظام السياسي الذي يحكم العراق حالياً، حيث الفارق الوحيد بينه وبين سابقه هو هوية الضحايا فقط.
تبريرات واهية
وتمضي قوى التدخل في اعتبار أن الأمر يستحق القيام به، بل وتعتمد موقفاً أكثر «شهامةً» بقولها إن الشعب العراقي تحمّل معظم تبعات العملية العسكرية.
من الصحيح أن ألوف الجنود الأميركيين قد تعرضوا للقتل والتشويه والإصابات، أو عادوا إلى ديارهم مصابين بأضرار نفسية، إلا أن تلك الأهوال تظل هزيلة بالمقارنة مع معاناة الشعب العراقي. ومع ذلك، تعتبر قوى التدخل أن العراقيين قد سببوا ذلك لأنفسهم. إلا أن المشكلة واضحة هنا، وهي أن أميركا كانت المعتدي في الحرب، وأن العراق كان يدافع عن نفسه وحسب.
ومع ذلك، لا ينفك الشعب الأميركي يشكر القوات الأميركية لتأديتها «الخدمة» في العراق، وكأنه يقول: «شكراً لكم أيها الجنود لقتل، وتشويه، وإصابة، وتعذيب كل أولئك العراقيين خلال العدوان الذي نفذتموه على العراق، وشن حرب تم تصنيفها جريمة حرب في محكمة نورمبرغ».
التضليل المتعجرف
من نافل القول، إن المديح الفعلي لا يأتي على هذا الشكل، بل «شكراً للدفاع عن حقوقنا وحرياتنا في العراق»، بغض النظر عن أن الحكومة العراقية والشعب العراقي لم يهدد بأي شكل من الأشكال «حقوقنا وحرياتنا». لكن الأميركيين يحتاجون لمبرر ما، أياً كان يخفف عن ضمائرهم، عبء القتل والدمار، الذي اقترفته الحكومة الأميركية في بلد لم يهاجم الولايات المتحدة، ولا هدد بأن يهاجمها.
لكن نود أن نعرف بالضبط كيف يفترض بتنظيم «داعش» أن يشكل تهديداً لـ«الأمن القومي»، وهو مصطلح يخلو من أي معنى موضوعي؟ فهل تتصور قوات التدخل الأميركي.
مثلاً أن تنظيم «داعش» قد يتسبب بغرق الولايات المتحدة الأميركية في المحيط؟ أو هل يخيّل إليها أنه قد يعني اجتياح العراق لأميركا واحتلالها، والقضاء عليها، والسيطرة على دائرة الإيرادات الداخلية، ونظام الطريق السريع، والاحتياطي الفيدرالي الأميركي؟ في الواقع لا يعني تنظيم «داعش» في العراق أياً من ذلك.
التاريخ المتشابه
وفي النهاية، أليس «داعش» سيئاً مثل حكومات الأنظمة السابقة في العراق أو الأنظمة الاستبدادية في أي مكان من العالم؟ أليس جلياً أن الولايات المتحدة الأميركية لا تزال موجودة، على الرغم من كل أنظمة الحكم المنتشرة في العالم؟
ألم يسبق لنا أن سمعنا كل تلك الخطابات الإمبريالية المضجرة خلال الحرب الباردة؟ إذا قدّر لفيتنام أن تربح الحرب فإن قطع الدومينو ستبدأ بالانهيار الواحدة تلو الأخرى. وإذا انضمت دول أميركا اللاتينية إلى مشروع كوبا الاشتراكي، فسرعان ما ستلحق الولايات المتحدة بها.
لا يشكل ذلك سوى كلام فارغ، إمبريالي الطابع، والتاريخ شاهد على استمرار نهج الولايات المتحدة رغم سقوط جنوبي فيتنام، وتحوّل جميع دول أميركا اللاتينية إلى الاشتراكية.
الولايات المتحدة قد فعلت ما يكفي لتدمير العراق، ولن يساهم المزيد من التدخل إلا في صب الزيت على النار؛ النار التي أشعلتها أميركا بغزوها الخاطئ للعراق واحتلاله عام 2003.
شواهد دالة
لننظر إلى حالات الموت والدمار، الذي جلبته التدخلات على العراق. وتشير تقديرات البعض إلى أن أكثر من مليون عراقي قد لاقوا حتفهم جراء الاجتياح الأميركي، واحتلاله للعراق.
ويعود السبب في غياب الأرقام الدقيقة إلى إعلان الجيش الأميركي، مع بداية الغزو عام 2003 أنه لن يحصي أعداد القتلى العراقيين، بل الأميركيين فقط. فعدد القتلى العراقيين ليس مهماً بالنسبة للجيش الأميركي، حيث ينظر جنرالاته إلى ضحايا العراق كما كان ينظر للقتلى الفيتناميين أيام حرب فيتنام.
فلننظر إلى العراقيين الذين تعرضوا للتشويه، والشلل، والعمى، والإعاقة، فهؤلاء لن تعود حياتهم أبداً كما كانت عليه. وحتى أولئك المصابين الناجين، من يكترث لمصابهم؟ حتماً ليس الذين تسببوا به أصلاً.

