يعتبر تفكك منطقة الشرق الأوسط تحت نير المشاحنات المذهبية القائمة وظهور تنظيم «داعش» تحدياً هائلاً على صعيد الأمن القومي، وهو كفيل بإبقاء الولايات المتحدة الأميركية منشغلةً طوال عقد من الزمن أو أكثر. غير أن تزايد المستشارين الأميركيين على الساحة العراقية لم يحل دون ضعف الجيش العراقي، كما سيل مشاهد الفظاعات المصورة عبر الإنترنت، يزيد من خطر انكفاء واشنطن مجدداً نحو اتباع سياسة خارجية تركز، بشكل غير متكافئ، على تلك المنطقة.

للولايات المتحدة مصالح أساسية في منطقة الشرق الأوسط، تتمثل بحماية اسرائيل، والحدّ من الانتشار النووي، وتأمين موارد ثابتة للطاقة، ومكافحة الإرهاب. إلا أنه لا يمكن التعامي عن التحدي الأبرز الذي يواجه القوات الأميركية وقيادتها على امتداد ربع قرن: إنه التحدي القائم على لعب كل من الصين وروسيا دور القوى الاسترجاعية، التي تحاول تقويض العناصر الأساسية للنظام العالمي القائم، بما في ذلك الحدود الدولية، والشراكات الأمنية قديمة العهد. وإذا لم يتم التنبه إلى وجود مثل هذا التحدي، فإن العالم قد ينقسم مجدداً إلى منطقتي نفوذ، وأن يكون عرضة دائماً لخطر نشوب صراع بين القوتين الرئيسيتين.

إلا أن العبرة المستخلصة، حتى الآن بالنسبة لهذا القرن تشير إلى أن النظام الذي تقوده الولايات المتحدة لا يتمتع بالقبول العالمي، ولا هو ملزم بقدر ما تفترض إدارة واشنطن. فبعد أن رسمت الأزمة الاقتصادية العالمية تساؤلات عدة حول القيادة الأميركية، سارعت كل من الصين وروسيا إلى تبني أعمال ذات طابع تنافسي متكافئ مع الولايات المتحدة. وتعمل هاتان الدولتان الممتزجتان بعجرفة ومظالم تاريخية على إعادة رسم خارطة المنطقتين المعنيتين، من خلال الاستيلاء على مناطق جديدة، وإرهاب جيرانها باعتماد تصرفات مدروسة مبنية على منطقي الإكراه والقوة.

ففي أوروبا، نجحت روسيا في ضم إقليم القرم في مثال أوليّ على المطامع الوحدوية الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، وعملت على تنفيذ غزو شرقي أوكرانيا. يحق لدول البلطيق أن تشعر بالقلق حيال لجوء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى وضع فرضية الالتزام الأمني لمنظمة حلف الأطلسي «ناتو»، قيد الاختبار. أما في آسيا، فقد صعّدت الصين، ببراعة، وتيرة نشاطها الاقتصادي والتشريعي والعسكري، في خطوة مهدت لطرح مطالبها البحرية التوسعية في بحر الصين الجنوبي. كذلك عملت على تقويض التحالفات الأميركية، عبر زرع بذور الشقاق بين اليابان وكوريا الجنوبية، والتقرب في الوقت عينه من حلفاء أميركا الآخرين، مثل تايلاند.

وذكرت مجلة «إيكونومست» البريطانية، في تقرير نشرته أخيراً: « لحسن الحظ أنه لا يوجد دليل ساطع يدعم فكرة الجهود الصينية الدولية الآيلة لقلب النظام العالمي». إلا أن ذلك لا يبعث على الاطمئنان، حيث إن معظم الحركات الاسترجاعية، تاريخياً، كانت تنطلق على نحو إقليمي، بما في ذلك روسيا القرن التاسع عشر، والعشرين، وألمانيا النازية، واليابان الإمبراطورية في الثلاثينيات، وما تبع ذلك من عواقب عالمية. عادةً ما تولي القوى الناشئة المزيد من الاهتمام بجوارها القريب، أكثر مما تهتم بالقارات البعيدة.

أضف إلى ذلك، أنه ليس هناك ما يطمئن في الجدل بأن الحركة الاستعادية الصينية والروسية ستحمل طابع الهزيمة الذاتية على المدى الطويل. من هذا المنطلق، ينبغي على الولايات المتحدة أن تشعر بالحماسة حيال تراجع روسيا بوتين اقتصادياً وديموغرافياً، وأن الإصرار الصيني يؤدي إلى تقوية أواصر الائتلاف المعادي، المؤلف من أستراليا، والهند، واليابان، والفلبين، وفيتنام، التي تسعى مجتمعةً إلى توثيق الروابط العسكرية مع الولايات المتحدة من جهة، وفيما بينها من جهةٍ أخرى.

فرضية مغلوطة

منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، والسياسة الخارجية لأميركا تفترض وجود تهديدات ومصالح كثيرة مشتركة تجمع بين القوى الرئيسية، وتعتبر أنها ستندمج كقوى ناشئة، مع مرور الوقت، ضمن إطار الاقتصاد العالمي. وقد أسفر ذلك عن تسليم صناع القرار بأن آسيا وأوروبا تتمتعان بالاستقرار والاكتفاء الذاتي، نسبةً إلى كارثة الأنظمة الديكتاتورية، والدول المنهارة، والتهديدات العالمية المستشرية في منطقة الشرق الأوسط.