أجرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية، أخيراً، حواراً مع وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنغر، أكد فيه أنه لا يمكن فرض الديمقراطية عسكرياً في العراق، وشدد على التصدي للإرهاب مع التوفيق بين الأمن والمبادئ الأخلاقية. كذلك رفض كيسنغر القتال بما يصب في صالح الرئيس السوري بشار الأسد، وطالب بإقامة حوار مع روسيا، وناشد أوروبا أداء دورٍ أكبر في مسار الأحداث العالمية. وفيما يلي نص الحوار:
في العراق
لقد كنت في عام 2003 مؤيداً للإطاحة بنظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، في حين كانت نتائج التدخل في ذلك الوقت غير أكيدة.
سأخبرك بما كنت أفكر فيه في ذلك الوقت. اعتقدت أنه بعد الهجوم الذي ستنفذه الولايات المتحدة، من المهم لها أن تحصّن موقعها. وقد أكدت الأمم المتحدة حصول انتهاكات رئيسية هناك، لذا اعتقدت أن الإطاحة بنظام صدام حسين كانت هدفاً مشروعاً. وظننت أنه من غير الواقعي أن نحاول إحلال الديمقراطية في العراق من خلال الاحتلال العسكري.
ما الذي كان يدعوك لأن تكون واثقاً بأن هذا الأمر غير واقعي.
يبقى الأمر غير واقعي، إلا إذا كنت مستعداً للقيام به لعقود من الزمن، وكنت متأكداً من أن الشعب سيؤيدنا. إلا أن ذلك ربما يتخطى موارد أي بلد بمفرده.
حرب أوباما
لهذا السبب يخوض الرئيس الأميركي باراك أوباما الحرب ضد الإرهاب من الجو، مستخدماً طائرات من دون طيار وطائرات حربية في كل من باكستان واليمن والآن في سوريا والعراق كذلك. ما رأيك في ذلك؟
إنني أدعم تنفيذ هجمات على المناطق التي تشن منها الاعتداءات الإرهابية. لم أتحدث يوماً في العلن عن مسألة الطائرات من دون طيار. إنها تهدد المزيد من المدنيين على نحو يفوق ما كانت تفعله مثيلاتها في حرب فيتنام، إنه المبدأ ذاته.
تشير في كتابك الأخير، «النظام العالمي» إلى أنه يتعين على أميركا أن تتخذ قرارتها بشأن الحرب بناءً على الأسس التي تحقق «المزيج الأفضل بين الأمن والمبادئ الأخلاقية»، هلا شرحت لنا ما الذي تقصده بكلامك هذا؟
لا، لأن الأمر يعتمد على الوضع المتعلق بكل حالة. ما هي مصلحتنا المحددة في سوريا؟ هل هي إنسانية وحسب؟ هل هي استراتيجية؟ نود دائماً بالطبع تحقيق النتيجة الأفضل على الصعيد الأخلاقي، لكن في خضم حرب أهلية، لا يمكن أن نتفادى النظر إلى الوقائع، التي تبنى الأحكام على أساسها.
مواقف من سوريا
إذا تم تطبيق ذلك لفترة معينة من الزمن، ولأسباب واقعية، يمكن أن نقف في صف الرئيس السوري بشار الأسد في حربه ضد «داعش».
حسناً، لا. لا يمكن مطلقاً القتال في صف الأسد. سيمثل ذلك نكراناً لما فعلناه على مدى أعوام، وأكدنا عليه. لكني بصراحة أعتقد أنه يجب إقامة حوار مع روسيا، والسؤال عن النتيجة المتوخاة في سوريا، والتعاون على وضع استراتيجية لتحقيقها. كان من الخطأ القول منذ البداية بضرورة رحيل الأسد، علماً أنه أحد الأهداف المطلقة المحبذة. والآن مع دخولنا في صراع مع روسيا، بات التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني أكثر صعوبةً.
الدور الألماني
هل تؤيد لعب أوروبا، سيما ألمانيا، دوراً أكثر حسماً؟
نعم، بالطبع. لقد كانت أوروبا، منذ قرابة قرن مضى، تحتكر دور إيجاد نظام عالمي. هناك خطر اليوم من أن تكون منشغلة بشؤونها الداخلية وحسب. وتعتبر ألمانيا في الوقت الحاضر، الدولة الأوروبية الأكثر أهمية، ويجب أن تلعب دوراً ناشطاً أكثر. أقدر كثيراً المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وأعتقد أنها الشخص المناسب لقيادة ألمانيا في أداء هذا الدور. وبالمناسبة لقد التقيت جميع الأشخاص الذي شغلوا منصب المستشارين لألمانيا، وكونت نوعاً من الصداقة معهم.
هل تتضمن القائمة ويلي برانت؟
أنا أقدره كثيراً.
يفاجئنا ذلك نوعاً ما، لأنه منذ بضعة أشهر فقط تم تسريب حديث لك مع الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون، وصفت فيه برانت بـ«الأحمق الخطير».
تعلم جيداً أن تلك الكلمات المقتطعة من نص متكامل تشكل إرباكاً للحقيقة. كان ذلك حديثا بين شخصين في نهاية يوم متعب يتجاذبان خلاله أطراف الحديث، ويعيشان شعور اللحظة، ولعل تلك الكلمات أتت في معرض التعبير عن اختلاف في وجهات النظر لا أذكر تفاصيله جيداً. كانت لدينا مخاوف حيال سياسة برانت في تطبيع العلاقات بين الشرق والغرب، في البداية، وقد عملنا معه عن كثب. اسأل وزير التعاون الاقتصادي الألماني إيغون باهر وسيجيبك: من دون إدارة نيكسون، ما كان بإمكان سياسة التطبيع لبرانت أن تحقق أهدافها، سيما فيما يتعلق بقضية برلين.
شخصية خلافية
تعتبر من السياسيين المثيرين للجدل الكبير في ألمانيا. فحين أرادت جامعة بون الألمانية تسمية أحد المراكز لديها باسمك، أبدى الطلاب اعتراضاً. فهل شعرت بخيبة أمل جراء ذلك أو بانزعاج على الأقل؟
- إني أقدر لهم منحي هذا الشرف. لم أطالب بالمركز، وقد علمت بوجوده بعد استحداثه فقط. لا أود أن أكون جزءاً من النقاش، إذ أن ذلك يعود إلى الوكالات الألمانية دون سواها. أعتقد أن ألمانيا يجب أن تقوم بذلك لما في صالحها الخاص، وليس لما يخدم مصالحها الشخصية.
