انقضى ما يزيد على عقد من الزمن منذ خوض الولايات المتحدة حروباً حاولت من خلالها جلب الأمن والاستقرار إلى منطقة الشرق الأوسط، من دون أن تفلح في تحقيق نتائج مُرضية. فالفوز المبدئي، الذي حققته أميركا في العراق، تلته 8 سنوات من الحروب غير المنظمة، التي توقفت لبرهة، قبل أن تتخذ الآن شكل الحرب ضد «داعش».
أما جهود أميركا العسكرية لدعم ليبيا، عقب أحداث عام 2011، فقد أغرقت البلاد في حالة من عدم الاستقرار تقارب الفوضى. في حين فشلت جهودها في اليمن في منع وقوع صنعاء والحكومة بيد الحوثيين.
لقد أدى الغزو الأميركي للعراق عام 2003 إلى زعزعة التوازن العسكري في المنطقة كلياً، وساهم في زيادة التوتر بين كل من إيران والولايات المتحدة، في الوقت الذي قضت التطورات العربية على أية مكاسب في الحرب ضد الإرهاب. وقد أظهرت قاعدة البيانات العامة للاتحاد الوطني الأميركية لدراسة الإرهاب والردود على الإرهاب، أن الأحداث إرهابية الطابع قد تضاعفت خمس عشرة مرة عام 2013 مقارنة بالعام 2002.
سبل غير مجدية
لا يمكن للولايات المتحدة أن تتجاهل الحاجة لمواجهة التهديدات الفعلية عسكرياً، ووضع برامح فعالة لمناهضة الإرهاب، أو الحاجة الماسة للنظر في الفشل الذريع والعمل على وضع مخططات وبرامج مدنية عسكرية فاعلة للتعامل مع الإخفاقات بكفاءة، عبر اعتماد الشفافية، والضوابط المالية المقبولة، واتباع معايير الكفاءة.
وتكمن الحلقة الأضعف هنا في الناحية المدنية لإنفاق المساعدات، وسوء التخطيط، وضعف الإدارة، وغياب التدقيق، ومعايير الكفاءة من قبل وزارة الخارجية الأميركية. هناك حاجة واضحة لإجراء مراجعة شاملة لأسباب الإخفاقات وإيجاد سبل لبناء هيكلية قادرة على التصدي لتحديات المستقبل. سيما أن الحرب ضد «داعش» تشير بوضوح إلى عدم إمكانية الفوز عن طريق القوة فقط.
تنوع الأسباب
تعتبر دول إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط بمعظمها صحراوية، وتتعرض المصادر المائية الشحيحة فيها لضغط ديمغرافي رهيب. ويشكل عامل التقدم في السن أحد الأسباب الأخرى، مما يشكل ضغطاً هائلاً على الفئة الشابة المنتشرة في دول لم تستثمر في التعليم.
حيث الحكومات فشلت في إيجاد فرص عمل مناسبة. وتزداد الأمور سوءاً في المجتمعات، التي لا تسمح للمرأة بالدخول في مجال التنافس والإنتاج. أضف إلى ذلك أن العديد من سكان هذه الدول قد أجبروا على مغادرة الأماكن التي تؤمن لهم الحماية العرقية، القبلية أو الدينية. وتقود تلك الأسباب مجتمعةً مصدّري النفط الأثرياء إلى دفع المجتمعات الريفية نحو تحضر مفرط غير متوازن.
عادةً ما تتسم الأنظمة العلمانية والسياسية القائمة بالضعف. وتساعد التركيبة، التي تجمع بين التسلط والفساد وغياب الشفافية واختلال حكم القانون، في التأكيد على أنه ما من أحزاب سياسية أو قادة معارضة قادرون على الحكم فعلاً. وتحذر تقارير وزارة الخارجية الأميركية المتعلقة بحقوق الإنسان من أن الأجهزة القضائية عادةً ما تتصف بالقمعية وغياب الفاعلية في القضايا المدنية والجزائية.
في ظل تلك الأرقام، ينبغي التحدث بحذر عن الثروة النفطية لدول إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط، حيث يمثل توزيع العائدات النفطية مشكلات جمة في تلك الدول، علماً أن الوضع لا ينطبق بالضرورة على بعض الدول العربية ذات الإمكانات الهائلة.
تغيير المسار
تساعد هذه المجموعة الشاملة من العوامل على توضيح سبب تحدث قادة الولايات المتحدة، وصانعي السياسات، وخبراء العمليات الاستخبارية عن عقد، أو عقود من الاضطرابات، وتحذر مجدداً من حتمية وجود آثار تترتب على هامش كل انتصار عسكري أو هجوم على الإرهاب. إن اعتماد مبدأ مناهضة الإرهاب، ومكافحة حركات التمرد..
وتحقيق الفوز في معارك مفتوحة، لن يفي بالغرض. ما لم تقم الولايات المتحدة بعمل أفضل، وتتجه نحو معالجة الجانب المدني لتلك الصراعات، وتوسّع طبيعة جهودها لتشمل إقامة شراكات مدنية وعسكرية فاعلة، سيظل كل «انتصار» تحققه بمثابة لحظة وصول مزيف إلى القمة، وعيش مرارة الدوامة الأبدية المفرغة.
إنفاق غير مدروس
أشارت بعض التقديرات إلى أن الولايات المتحدة أنفقت حوالي 1.8 تريليون دولار على الحرب في أفغانستان والعراق، وأظهرت أن النواحي العسكرية والمدنية لهذا الإنفاق انطوت على الكثير من الهدر والغش والفساد. يحتاج الغرب ودول إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط إلى إيلاء اهتمام أكبر بمسببات المشكلات المدنية، التي تتسم بالتعقيد..
وتختلف من بلد لآخر. وتظهر لائحة الضغوط الأساسية سبب استمرار أعمال التطرف والعنف وعدم الاستقرار إلى ما لا نهاية، في حال لم تعالج الأسباب المدنية الكامنة بالشكل المناسب. على صعيد آخر، نلاحظ أن بعض دول إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط تبلي بلاءً حسناً في مجال التحديث والإصلاح، بغض النظر عن التباين الشاسع في مداخيل تلك الدول.

