توقف المراقبون طويلا أمام وصول الرئيس الأفغاني أشرف غني، أخيراً، إلى الصين، في زيارة استمرت أربعة أيام. وتميزت لهجة الخطاب بالصراحة، حين أعلن غني أن بلاده تنظر إلى الصين على أنها «الشريك الاستراتيجي لأفغانستان على المدى القصير والمتوسط والبعيد والأبعد.» وردّ الرئيس الصيني شي جينبينغ بالمثل، حين أثنى على غني، ووصفه بالصديق القديم للشعب الصيني، وأعلن عن استعداد الصين للعمل معه نحو «حقبة جديدة من التعاون».

وقّعت كل من الصين وأفغانستان اتفاقيات تعاون في مجال التبادل التجاري، والروابط الاقتصادية، والمساعدات الإنسانية، ومنح تراخيص العمالة الأجنبية.

 ووافقت الصين كذلك، على الرغم من مخاوفها من أن تؤدي الأوضاع الأمنية المتدهورة إلى تهديد الاستثمارات الكبرى، على منح أفغانستان مبلغ 327 مليون دولار أميركي على شكل مساعدات، على أن تقدم 81.8 مليون دولار هذا العام، وتسدد الباقي بين العامين 2015 و2017. والأهم من ذلك أن الصين وافقت على لعب دور الوسيط بين أفغانستان وباكستان. وتعهد غني بدوره بمساعدة الصين على محاربة الميليشيات المتشددة لديها.

إلا أن سياسة الصين حيال أفغانستان ترزح تحت سيل من الضغوط المستجدة في ظل مغادرة معظم القوات الأميركية الوشيكة لأفغانستان، ومكاسب حركة طالبان المتزايدة، التي تهدد بإذكاء حالة الاشتباك في منطقة شينجيانغ غربي الصين، وقطع الموارد المعدنية، التي تقدر بحوالي ثلاثة تريليونات دولار أميركي.

لقد وقفت المخاوف الأمنية عائقاً أمام تنفيذ استثمارات صينية هامة في أفغانستان. وفي سبتمبر 2012، قام المسؤول الصيني، آنذاك، زو يونغ كانغ بزيارة إلى أفغانستان كانت الأولى لقائد صيني رفيع المستوى، خلال خمسة عقود تقريباً. وسطّرت تلك الزيارة إنهاء بكين سياسة «هيمنة الركود» حيال كابول. و تم الإعلان خلالها عن ميثاق يقضي بتدريب، وتمويل وتجهيز الشرطة الأفغانية، في خطوة تبيّن تنامي الاهتمام الصيني بالمصالح الأفغانية المتعلقة بالأمن الداخلي. وبدأت الصين كذلك عقد مشاورات ثلاثية الأطراف مع كل من باكستان وأفغانستان تتعلق بالأمن الإقليمي.

ويساور الصين، كما بقية دول المنطقة، قلق من أن يؤدي انسحاب الجيوش الغربية من أفغانستان إلى المزيد من الاضطرابات. كما تنبهت الصين مع تزايد مشكلات باكستان إلى واقع يتساءل عن مدى كفاية سيطرتها على المنطقة في إدارة القلاقل الإقليمية. ودفع ارتفاع حدة التوترات في شينجيانغ الصين إلى إعادة تقييم سياستها مع أفغانستان، سيما مع تزايد مخاوف بكين حيال عدم فاعلية إسلام آباد في ضبط تدريب مقاتلي الإيغور في باكستان.

وقد اتبعت الصين منذ الاجتياح الأميركي عام 2001، وحتى فترة قريبة، سياسة كفّ اليد عن أفغانستان. وعاودت تكثيف نشاطاتها في البلاد مع اقتراب موعد رحيل غالبية الجيوش الغربية. إن قابلية الصين المفتوحة على الموارد، تضمن حصول أفغانستان، التي تقدر ثرواتها المعدنية المبدئية بما يزيد عن تريليون دولار أميركي، على اهتمام بكين المطلوب.

وقعت الصين عام 2012 اتفاقية شراكة استراتيجية مع أفغانستان. وسعت بكين، إدراكاً منها لأهمية التسوية السياسية ، إلى توسيع نطاق علاقاتها، بشكل سري، مع حركة طالبان في أفغانستان، وضمنت من خلالها تعهد الحركة بالحفاظ على المصالح الأمنية والاقتصادية الإقليمية للصين في حال عودتها إلى السلطة.

مهما يكن الأمر، فإن الصين تسعى إلى رفع مستوى قواعد اللعبة في أفغانستان، وينبغي على بقية دول العالم التنبه، والتمعن في أبعاد ذلك.

المصالح المشتركة

تدرك كل من بكين وكابول أهمية إحداهما للأخرى، فأفغانستان قد طلبت مساعدة منظمة شنغهاي للتعاون في حربها ضد حركة طالبان. وقد يشكل تأمين تلك المساعدة جزءاً من مخطط أوسع لجينبينغ يهدف إلى إنشاء «طريق الحرير» الممتد على طول 6437 كيلومترا، وهو بمثابة حزام اقتصادي يربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى.