يحتفل الجزائريون في نوفمبر من كل عام بذكرى انطلاق ثورة التحرير، التي تبلغ عامها الستين هذه السنة، والتي وضعت حداً للاستعمار الفرنسي، الذي دام 132 عاماً. وهي عطلة رسمية بالطبع، لكن بالنسبة للحكام فإنها مناسبة لإبراز شخصية الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة.
وتمثل ذلك بإقامة معرض يضم 1600 صورة تجسّد إنجازاته في الجزائر، وواكبه قيام بوتفليقة بزيارة نصب الشهداء التذكاري لوضع إكليل من الزهور.
بيد أن تطلعات ثورة عام 1954 قد أصبحت أضغاث أحلام بالنسبة للعديد من الجزائريين، ممن ذهبت آمالهم في بناء مجتمع عادل، حديث، مزدهر، وديمقراطي أدراج الرياح. وبات محررو الأمس بنظرهم أسوأ من المستعمر نفسه.
لقد بدد حكّام الجزائر، من خلال سوء الإدارة الاقتصادية للبلاد والركود السياسي عدداً من فرص التغيير. وانتهت الثورة العظمى بشعور من المرارة والخيبة، وبدلاً من تحقيق الازدهار، بلغت معدلات البطالة في أوساط الشباب الجزائري نسبة 20 في المئة.
وقعت الجزائر عقب التحرير عام 1962 مباشرة في قبضة القبائل التواقة لسلطة انطوت هيكليتها على شبكة من المصالح والتحالفات المتذبذبة والمتعنتة. وزاد الطين بلةً بالنسبة للعديد من الجزائريين أن المستأثرين بالسلطة لم يضطلعوا بدور فاعل في الثورة.
التحرير، من حالة الثورة إلى رأسمالية الدولة، قبل أن تغوص في ليبرالية جامحة سبقت الحرب الأهلية في فترة التسعينيات. لم يذق ملايين الجزائريين طعم نصر التحرير، ويلقي الكثير منهم بعد ستة عقود على الثورة اللوم على النظام ويحمّله فشل استخدام موارد النفط والغاز الهائلة لتطوير البلاد.
يعتقد عدد من المراقبين أن الطبقة السياسية، التي حكمت منذ الثورة باتت هرمة، وأن النظام آيل للسقوط. ذاك كان الاعتقاد السائد عام 1988 الذي أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية الجزائرية.
أسفرت أعمال الشغب عن ولادة نظام متعدد الأحزاب، وانتهاج الديمقراطية، وحرية الصحافة، وإجراء أول انتخابات برلمانية حرة في البلاد أصبح مصيرها جزءاً من التاريخ.
عمد الجنرالات بعدئذ للإطاحة بالرئيس الشاذلي بن جديد، وألغوا الانتخابات، وأوقفوا مسيرة الديمقراطية، واعتقلوا الألوف. نشبت على إثر ذلك ما عرفت ب«الحرب القذرة»، التي حصدت مئتي ألف قتيل.
تولى بوتفليقة سدة الرئاسة عام 1999 مدعوماً من الجيش، وتعهد بإعادة «كرامة الجزائر وعزتها»، معدلاً الدستور للحصول على مزيد من السلطة. وفي أبريل 2011، حين اجتاحت موجة الربيع العربي تونس وليبيا المجاورتين، ونجحت في الإطاحة بالحكومتين، وعد بوتفليقة بإجراء إصلاحات سياسية.
إلا أن الجزائر لا تزال تملك مقومات الثورة، حيث ينظر الكثيرون للطاقم الحاكم نظرة سلبية ويشعرون بالغضب من القيادة، التي تملك استثمارات عقارية كبيرة في فرنسا، في خطوة تضعف تأثير الشعارات المعلنة وتعتمد على «التخريب»، و«الأيدي الغريبة»، و«أعداء الثورة».
لقد دعت شخصيات سياسية بارزة من أمثال رئيس الوزراء الجزائري السابق مولود حمروش، كلاً من النظام والمعارضة إلى «حماية المصلحة الوطنية والتخطيط لعملية انتقال سلس نحو الديمقراطية». لكن هل من أحد يصغي من السياسيين؟
لقد انتفعت النخبة من أكثر من عقد من عائدات النفط الهائلة واحتياطي عملات أجنبية تزيد على مئتي مليار دولار، وهي تظن أنها تستطيع بذلك ضمان السلام في الجزائر.
إلا أن شبيهي ثوار 1954 كثر، وهم يريدون استلام زمام الأمور في البلاد.
الإرادة السياسية
افتقرت القيادة الجزائرية إلى الإرادة السياسية لضخ الحياة في الاقتصاد الراكد عبر تسهيل البيروقراطية والابتعاد عن الاعتماد على النفط والغاز اللذين يشكلان 75 في المئة من عائدات الصادرات. كذلك أخفقت الجزائر في تطوير قطاعي الصناعة والزراعة، اللذين شكلا عام 2013 خمسة في المئة فقط من إجمالي الناتج المحلي.

