تعلمت أميركا أن تكون متواضعة حول مقدار التقدم في حروبها. لكن، في هذه الحالة، يبدو التقدم ضئيلاً جداً بحيث يستدعي التواضع في المقام الأول.
فقد سيطر «داعش» على خمس عين العرب، وابتلع معظم محافظة الأنبار، كما يحافظ على سيطرته على كل مدينة رئيسة اجتاحها في حربه الصيفية الخاطفة. قام بذلك على الرغم من التدفق المستمر للقنابل والصواريخ التي أرسلت من قبل أميركا وحلفائها. هل يعني ذلك أن الغرب يخسر المعركة؟
ينبغي علينا أن نتذكر أن هذه الحرب لم تكن يوماً بشأن القضاء على «داعش»، وإنما بشأن «تقليصه قوته» كما عبر عن ذلك الرئيس الأميركي باراك أوباما، إلى أن يصبح بإمكان القوات البرية المحلية السيطرة عليه.
لكن تلك القوات المحلية كانت وستبقى غير كفؤة، ضعيفة جداً ومحبطة للغاية، بحيث أن المهمة ستكون دوماً مهمة شاقة. والجهود الأميركية لتدريب المزيد من القوات المعتدلة ستستغرق حتى العام المقبل لكي تثمر. وتتبع هذه الحالة المحزنة نتيجتان. أولا، كما عبر عن ذلك رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية مارتن ديمبسي الشهر الماضي عندما قال:
«استراتيجية خاصة بالعراق أولاً». والمقصود بذلك إنقاذ بغداد، وليس دمشق. لكن من المهم الضغط على «داعش» في سوريا، حيث مقر التنظيم وحقوله النفطية، وأميركا تعلمت من خلال تجربتها القاسية في أفغانستان ماذا يعني السماح للعدو بملجأ عبر الحدود (في باكستان). لكن سوريا هي المنطقة الخلفية، وليس ساحة المعركة الحاسمة للحملة.
ثانياً، الاستراتيجية الحقيقية هي الاحتواء. والوضع يحمل المزيد من أوجه الشبه بالمهمة الجوية لأميركا التي امتدت 12 عاماً في العراق من عام 1991 إلى 2003، عبر فرض منطقة حظر طيران، منه بحرب واسعة النطاق كالتي جاءت لاحقاً. وأهداف الحملة بالتالي أكثر تواضعاً بكثير من القضاء الفوري على «داعش» في بلاد الشام.
القلق الأكبر
بالطبع، حتى بحكم هذه الشروط، فإن الحملة لا زالت تقصر عن أهدافها. وعلى الرغم من أن أنظار العالم كانت موجهة إلى عين العرب في شمال سوريا، إلا أن مكاسب «داعش» في محافظة الأنبار الغربية في العراق تبدو أكثر إثارة للقلق.
فإذا سقطت محافظة الأنبار، فان ذلك سيساعد «داعش» في ربط مواقعه السورية والعراقية والضغط على بغداد نفسها. ومع ذلك، رأينا منذ بداية أكتوبر، أقل من 50 غارة جوية للتحالف في العراق، في مقابل أكثر من 120 في سوريا.
ويبدو أن أحد التفسيرات لهذا الاستهداف غير المتوازن يكمن في أن الولايات المتحدة شعرت مجبرة بإعادة توجيه اهتمامها إلى عين العرب بسبب الضجة الدولية بشأنها. وهذا أمر مفهوم في السياسة، لكنه يمثل استراتيجية رهيبة، إذ يضع المبادرة في يد «داعش» ويسمح له بإملاء السياسة الأميركية بإشعال جبهات جديدة وفق اختياره.
ومع ذلك، يظهر أن القوة الجوية ليست عديمة الفائدة مثلما أشار بعض منتقديها. يبدو أن «داعش» ينسحب من المدينة، فإذا كان هذا الانسحاب لا يعد هزيمة له، فإنه بالتأكيد وقف لتقدمه. ونجاح هذه الضربات كان في جانب منه نتاج التنسيق الفضفاض مع المقاتلين الأكراد على الأرض..
وهو العامل نفسه الذي جعل الضربات الجوية للتحالف فعالة في المساعدة على دحر «داعش» من رابعة في شمال العراق. لكن حتى لو هزم الغرب «داعش»، فإن الحفاظ على العراق من التفتيت قد يتجاوز قدراته.
تعقيدات
سواء بالاحتواء أو الهزيمة، فإن موضوع «داعش» في العراق لا يتعلق بساحة المعركة فحسب، وإنما أيضا بتشكيل حكومة وحدة وطنية فعلية، بعد الحكم الفردي لرئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي الذي فعل الكثير لدفع السنة في أحضان «داعش». وبإمكان أميركا أن توقف تقدم« داعش»، لكن عمق الانسلاخ بين الأقلية السنية والغالبية الشيعية التي تهمين أحزابها وميليشياتها على الحكومة، يعد هائلاً.

