أتُهم الرئيس الأميركي باراك أوباما مراراً وتكراراً بالتأخير. ويقول النقاد إنه ماطل في إرسال مزيد من القوات إلى أفغانستان، وفي التصدي للمخاطر في ليبيا، وفي تقديم الدعم للمسلحين في سوريا، وأخيراً، في الشروع بعمل عسكري ضد تنظيم «داعش».

ولكن هل هذا أمر سيئ بالضرورة؟ فالمُماطلة المحسوبة اعتبرت على مر التاريخ استراتيجية عسكرية فعالة. ويرجع تاريخها على الأقل إلى الحرب البونيقية الثانية في القرن الثالث قبل الميلاد.

ففي ذلك الوقت، نجح جيش هانيبال القرطاجي، الذي يضم مجموعة من الفيلة، كدلالة على قوته، في غزو شمال إيطاليا، متجهاً من شمال أفريقيا عابراً إسبانيا وجبال الألب. وألحقت قواته بجحافل روما الجبارة هزيمتين مذهلتين، أدخلتا البلاد في حالة من الذعر.

السلم والحرب

وحكم الجمهورية الرومانية خلال أوقات السلم كل من مجلس الشيوخ وقنصلان منتخبان، كانت مهمتهما العمل سوياً مدة عام كامل. ولكن خلال الأزمات، كان لمجلس الشيوخ خيار تعيين زعيم واحد فقط لتسهيل القيادة. وعين مجلس الشيوخ خلال فترة حكم هانيبال كوينتس فابيوس ماكسيموس، الذي خدم في ذلك الوقت في منصب القنصل مدة فترتين كاملتين.

وتوقع الجميع أن يهزم فابيوس ماكسيموس، وهو زعيم محبوب وخبير في القيادة، قوات هانيبال بسرعة، ولكنه لم يفعل. وتجنب بدلاً من ذلك الخوض في معارك كبرى، في حين ضيق على جيش هانيبال الخناق ومنعه من الحصول على الإمدادات، ما أدى إلى تدهور وضعه وقدراته تدريجياً. وعرفت هذه باستراتيجية الاحتواء.

ولكن الرومان لم يكونوا مسرورين بهذه الاستراتيجية. فالإعراض عن معركة ما لم يكن طقساً رومانياً، وإنما إهانة لعظمة روما. وعليه، نعت الناس فابيوس مكسيموس بـ «كونكيتر» أي المُؤخر. وقصدوا إهانته بذلك.

واستبدل فابيوس مكسيموس ليحل محله قنصل آخر، كان عازماً على مواجهة هانيبال مباشرة. وسارت جحافل فرق الروم الثماني تحت قيادة القنصل الجديد لتدمير قوات هانيبال. والتقى الجانبان في منطقة كاناي، في ما تبين لاحقاً أنه أكبر كارثة عسكرية في روما. وذُبح ما بين 50 إلى 70 ألف جندي روماني، وأسر أكثر من عشرة آلاف جندي آخر.

وجعلت كارثة كاناي فابيوس مكسيموس يبدو بطلاً، وبحث الرومان مرة أخرى عمن أسموه بـ «المُؤخر» لإنقاذ الجمهورية. وأصبحت صفة «كونكيتر» عنواناً يدل على التعقل والحكمة والاحترام.

ومنذ ذلك الحين، اتبع قادة عسكريون آخرون ما أصبح يُعرف باسم الاستراتيجية «الفابية»، ومن بينهم الرئيس الأميركي جورج واشنطن، الذي تجنب الخوض وجهاً لوجه في معارك مع البريطانيين، خلال السنوات الأولى من حرب استقلال أميركا.

النهج الفابي

قد يكون للاستراتيجيات معنى في حال أفضى التورط في مغامرة عسكرية إلى نتائج مكلفة وغير مجدية، أو في الحالات التي يكلف فيها العمل العسكري عدداً كبيراً من الضحايا، بحيث ينقلب رد فعل الناس ضد الجهد المبذول عسكرياً. ولكن حتى عندما يكون الإحجام عن الحرب هو الخيار الصحيح، لا تكتسب الاستراتيجيات الفابية شعبية خاصة.

فالناس يفضلون الانتصارات السريعة، مقارنة بالحملات الواسعة متدنية النتائج. وقد يُضعف تواصل المعركة لفترة طويلة الروح المعنوية، وقد يستهدف دعم الجهد المبذول في الحرب. وقد تغضب الاستراتيجية الفابية قادة داخل البلاد، وقد تثير فزع الحلفاء في الخارج. فجزء من حروب اليوم هو تلاعب في المفاهيم، وقد تبدو هذه الاستراتيجيات نوعاً من الاسترضاء.

وعلاوة على ذلك، قد يقود التأخر في مواجهة الأعداء بقوة إلى نتائج كارثية. فهل كان ينبغي على العالم عدم التدخل مبكراً، على سبيل المثال، لوقف هتلر؟

وسيجادل المؤرخون ما إذا كان نهج أوباما المتشكك في دخول الصراعات أمراً حصيفاً أو نوعاً من الضعف. فالأدلة حتى الآن غامضة.

وقال الرئيس الأميركي إن الحرب على «داعش» ستكون «حملة طويلة الأمد»، حيث لا تتضمن «حلولاً سريعة». ولم يحدد أوباما أي موعد نهائي لاستكمالها.

الإدارة الأميركية لم تُؤطر نهجها علنياً، كجزء من استراتيجية فابية، ولم تستخدم أي إدارة أميركية هذا المصطلح. ولكن الزعماء الذين يتبعون الاستراتيجيات الفابية لا يعلنون عن مواعيد محددة لانسحاب قواتهم، ولا يضعون خطوطاً حمراء لحروبهم.