دخلت بلدة كوباني، أو عين العرب، السورية الحدودية المغمورة إلى دائرة الضوء، أخيراً، وباتت تمثل حرب أميركا الأحدث. وبعد عشرة أسابيع من تحليق الطائرات فوق الأجواء العراقية، وشهر على قصف سوريا، أصبح قتال الرئيس الأميركي باراك أوباما ضد «داعش» فجأة أقوى وتيرة وأكثر تشبّعاً بروح الإثارة الحقيقية. وأصبحت بلدة عين العرب، التي يمكن مشاهدتها من أعلى الهضاب التركية الحدودية معقل المقاومة بالنسبة للطاغوت «الداعشي»، وهي محاصرة من ثلاث جهات بمناطق واقعة تحت سيطرة «داعش»، بعد أن استولى عليها في صراع محموم كاد يهشم أوصال العراق ويؤسس للدولة المزعومة من قبل التنظيم.

خطوط المعارك

تقع بلدة عين العرب على الحدود الشمالية لسوريا، على السفوح الجرداء الممتدة من تركيا. وحين بدأ مقاتلو «داعش» بقصف القرى المحيطة بالبلدة، كانت مواقعهم تشكل أهدافاً سهلة بالنسبة للطيارين الأميركيين، إلا أن الضربات الجوية بدأت بطيئة، وكان المقاتلون مع بداية أكتوبر قد رفعوا الراية السوداء فوق إحدى الهضاب المحاذية لعين العرب، وتغلغلوا فيها فعلياً، مما دفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى تحذير المجتمع الدولي صراحةً بالقول: « عين العرب على وشك السقوط».

وكان لا بدّ من وقوع مجازر لاحقة، لكن واشنطن لم تكن مستعدة لوقفها. وقال وزير الخارجية الأميركي جون كيري: « على الرغم من فظاعة مشاهدة ما يحصل في الوقت الفعلي في عين العرب، ينبغي التراجع خطوة للوراء وفهم الهدف الاستراتيجي للأمور. وعين العرب، ببساطة، ليست أساسية في منطق الحرب الأوسع نطاقاً».

صراع النوايا

وأكد محللون، في الوقت نفسه، أن القوة الجوية وحدها، من دون جنود على الأرض، لا تكفي لهزيمة «داعش»، وذلك إثر تضاؤل الأهداف الواضحة بعد أن انتقل المقاتلون من التحرك في مواكب مكشوفة إلى استعمال المركبات المدنية للتنقل، وتفرّق القادة.

لكن الأمور في عين العرب بدأت تتغير. وأخذت القذائف تستهدف مقاتلين من «داعش» إضافة إلى المباني، وتم نسف أحد مخابئ القناصة ومخزناً للرشاشات وسقطت الراية السوداء المرفوعة على أحد التلال وملأت جثث «الداعشيين» الطرقات. قلبت القذائف الأميركية المعادلة، إنما بمساعدة من الداخل شكلت بديلاً لانتشار القوات الأميركية على الأرض. إلا أن «داعش» يبدو مستعداً للتضحية بمزيد من المقاتلين. وبعيداً عن الهدف الاستراتيجي، باتت عين العرب تشكل مسألة كبرياء ورمزاً لصراع النوايا.

اللعبة السياسية

قد تشكل أرض المعركة مكاناً فظيعاً، لكنها تتميز بالوضوح النسبي، خلافاً للمشهد السياسي في هذه المنطقة من العالم. بدايةً من تركيا، التي تشكل حليفاً لأميركا وعضواً في منظمة «ناتو»، فهي تعارض تنظيم «داعش». ومع ذلك لم تتجاوز دباباتها، خلال معركة عين العرب، الحدود التركية. وسمحت لأميركا بإطلاق طائرات استطلاع من قاعدة إنجرليك الجوية القريبة، من دون السماح بتوجيه ضربات عسكرية. وتعكس الرسالة المزدوجة تضارباً إقليمياً يهدد بتقويض حملة أوباما ضد «داعش».

وتواجه تركيا كذلك التوترات الداخلية عينها للدول العربية الأخرى ذات الغالبية السنية الشريكة في التحالف المناهض لتنظيم «داعش». ويقول أحد المسؤولين العرب: « هناك هدفان متضاربان داخل التحالف، حيث تهتم بعض الدول بإزاحة الرئيس السوري بشار الأسد، في حين تهتم أخرى بمعالجة تهديد التطرف. وتواجه الولايات المتحدة تحدياً يكمن في الإبقاء على قيام التحالف ووظيفته في ظل تلك الأهداف المتضاربة».

أما أولوية تركيا فواضحة، وتتركز حول إزاحة الأسد أولاً. ولماذا الحرب على تنظيم «داعش»، ما دام يشن حرباً على الأسد، وهو الأمر الذي تعارضه أميركا؟ ويقول أحد السياسيين الأميركيين: « ما فعلناه في سوريا توخى، في البداية، صياغة الظروف في العراق». تشكل بلدة عين العرب قلب الحدث في أنظار العالم المتابع للصراع المأساوي عبر الشاشات. لكن في الحرب على «داعش»، وعلى الرغم من تصاعد حدة القتال على الحدود السورية التركية، حصل تطور بارز في بغداد، تمثّل في تسلّم سني حقيبة وزارة الدفاع، وتقليد عسكري شيعي منصب الداخلية. وقد حصلت التعيينات بعيداً عن شاشات الإعلام في الكواليس، حيث تحقق النصر الفعلي في تلك الحرب.

خيارات معقدة

بدا من المؤكد للوهلة الأولى، وقوع عين العرب بيد «داعش»، لكن كلما طال صمود البلدة، تجلّت احتمالات وقوع حرب طويلة الأمد، حيث يتضح وجود عنصرين أساسيين. ويتمثل أحدهما في تحدي شن حملة جوية ناجحة من دون نشر قوات على الأرض، وهو أمر استبعده أوباما، ويشكل الثاني تذكيراً مؤلماً بمعارك الولايات المتحدة السابقة في الشرق الأوسط، ويمثل عقدة المصالح المتداخلة، والعداوات والصراعات المعقدة حتى بالنسبة للأطراف العتيقة في المنطقة.

يقول هيو بوب، المتابع لأحداث تركيا والمناطق الكردية لصالح مجموعة الأزمات الدولية: « يقرّ المسؤولون حرفياً في اجتماعاتهم أنهم لا يعرفون ما العمل. من الصعب جداً التعامل مع أي نتائج للوضع هناك». والنتائج على أرض المعركة وداخل غرف المؤتمرات الدبلوماسية تبوح بالكثير عن الحرب المقبلة.