شهد العالم أخيراً يوماً يمكن أن يوصف بأنه يوم انتخابي بامتياز، في العديد من أرجائه، حيث كانت البرازيل تحسم قرارها بشأن الإبقاء على الرئيسة الاشتراكية المتعثرة أو إزاحتها، وأوكرانيا تنتخب برلماناً جديداً في قلب العدوان الروسي. إلا أن عمليات الاقتراع قاطبة لم تكن بأهمية تلك التي جرت في تونس، الدولة الإفريقية الشمالية، مهد الثورات العربية التي انطلقت منذ قرابة أربع سنوات، والمكان الوحيد الذي لم تسفر فيه الثورة عن حرب أهلية أو ديكتاتورية مستجدة.

تشكل تونس الخارج الوحيد عن المألوف في منطقة الشرق الأوسط، حيث «داعش» ومناهضوه يتصارعون في العراق وسوريا. تبنت تونس في مطلع هذا العام دستوراً تقدمياً يوازن القوى بين البرلمان المنتخب والمعيّن لرئيس الحكومة، ورئيس يتم انتخابه قريباً.

وكان حزب النهضة الذي فاز بالأغلبية في الانتخابات الأولى بعد الثورة، قد قاد إلى التغيير، وتسابق مع مجموعة من المتنافسين العلمانيين، بما في ذلك أحزاب عدة تقودها شخصيات بارزة من النظام الدكتاتوري للرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، وحزب «نداء تونس» الفائز في الانتخابات.

يقول لطفي زيتون، القيادي في حركة النهضة الإسلامية: «لقد تعلمنا درساً من مصر، حيث أدى انتخاب حركة الإخوان إلى ثورة ثانية. وقد قررنا أنه في هذه المرحلة من العملية الديمقراطية، نحتاج إلى أن نوحد البلاد، وليس أن نستقطب المشهد السياسي».

تبدو هذه استثنائية لا شك في مشهد الأرض العربية المحروقة. لكن هل تعدّ تونس خارجة عن المألوف فعلاً؟

إنها ليست كذلك من عدة نواحٍ أساسية. على غرار العديد من بلدان الشرق الأوسط، لم تلتحق تونس بركب العولمة. كما أنها تعاني بيروقراطية الدولة الخانقة، ونظاماً تعليمياً سيئاً، وجيلاً من الشباب العاطل من العمل، كانت السبب الرئيس المؤدي إلى اندلاع «الربيع العربي».

كذلك كانت لتونس حصة من التشدد، حيث تقوم المجموعات المتشددة بالعصيان انطلاقاً من الجبال الغربية. ويعتقد أن نحو ثلاثة آلاف تونسي قد انتقلوا إلى العراق وسوريا للانضمام إلى تنظيمي «داعش» و«القاعدة».

في الواقع، فإن الأنظمة القديمة مسؤولة عن إيجاد أسباب التطرف، عبر رفض أي مخارج سياسية غير دينية.

تؤمن إدارة أوباما التي تبنت فكرة تأييد المصالح الأميركية الأمنية بدعم جماعة الإخوان المسلمين، بأنها تقارب الآن منطق الواقعية بوصفها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأنه «شريك أساسي للولايات المتحدة الأميركية». وقد ذهب أوباما لعقد لقاء مع السيسي في مقر الأمم المتحدة في سبتمبر الماضي.

لا يصعب التوقع أن السيسي سيمضي قدماً في طريق محدد الملامح، إذ يتوقع بعض المراقبين أن يصبح نسخة من الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر. وإن الفكرة التي تبناها وزير خارجية أميركا جون كيري بحماسة، حول أن السيسي يقود مصر إلى الحداثة الاقتصادية، هي فكرة واقعية.

اتهام السلطة

يلقي بعض التونسيين اللوم في مسألة انتشار رقعة التشدد على حركة النهضة عينها. ويتماهون بذلك مع التيار الفكري السائد حالياً في مصر الذي يسعى متجاوزاً الأنظمة القاسية السابقة، وأبرزها نظاما زين العابدين بن علي والرئيس المصري السابق حسني مبارك، إلى أن يصور نفسه والرؤية الإسلامية المتشددة لنمط الدولة على أنهما البديلان السياسيان الوحيدان في المنطقة.