يكمن الضعف الصارخ في استراتيجية الرئيس الأميركي باراك أوباما الجديدة حول الشرق الأوسط، التي أميط اللثام عنها في 24 سبتمبر الماضي في أروقة الأمم المتحدة، في أنه لا توجد قوات على الأرض في سوريا. وبينما يمكن في العراق جلب البيشمركة الكردية، والجيش العراقي بعد إعادة إصلاحه وتحفيزه، والقبائل السنية التي لعبت دورا رئيسيا في نجاح خطة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش القاضية بزيادة عدد القوات الأميركية، كلها معاً للقتال ضد «داعش»، فإنه لا توجد أي قوات على الأرض في سوريا، التي يهدد تفككها الدول الخمس الواقعة على حدودها مباشرة، والمنطقة برمتها بشكل غير مباشر.

والبنتاغون حددت جدولها الزمني بمنتهى الوضوح، حيث أعلنت أن تحديد المقاتلين من المعارضة السورية وتقييمهم سوف يستغرق من 3 – 5 أشهر، فيما سيستغرق تدريبهم سنة أخرى. فماذا سيحصل في هذه المرحلة الانتقالية، باستثناء شن غارات جوية؟

فرضيتان أساسيتان

مهما تبدو المشكلة مستعصية، فإن إعادة النظر بالافتراضات الأساسية الكامنة في العمق يمكن أحيانا أن يشير إلى طريق الحل. والتحول الجذري في الأولويات لكل دولة من دول الشرق الأوسط، والذي كان وراءه البروز السريع المخيف لـ«داعش» على مدى الأشهر القليلة الماضية، جعل من الممكن القيام تحديدا بذلك في سوريا. وهناك فرضيتان قادتا السياسات منذ بدء الأزمة ينبغي إعادة النظر بهما الآن، وهما تفترضان بأنه لا بد أن تتوقف النتيجة النهائية على ما إذا كان الرئيس السوري بشار الأسد سيبقى في السلطة أم يرحل، وبأن هيكلية اتفاق سياسي يجب أن تسبق أي وقف لإطلاق النار.

وعلى الرغم من التكلفة البشرية المروعة لهذه الحرب، فإن الرئيس أوباما تمسك بما يراه درس التدخلات العسكرية الأميركية السابقة في الخارج، وأصر منذ البداية على ألا تتخذ الولايات المتحدة الخطوات السهلة نسبياً بنشر قوتها الهائلة حتى تصبح هناك، على الأقل، خطوط عريضة لاتفاق سياسي بين الفصائل المتحاربة. ولم يستطيع لا هو ولا غيره، التوصل إلى واحد من هذه الخطوط.

وما حاول أن يقوم به المبعوثان الدوليان إلى سوريا كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي، عبر سلسلة من اللقاءات في جنيف، كان العمل على نسج ما يكفي من خيوط لاتفاق سياسي يشكل أساساً لوقف إطلاق النار. والمشكلة كانت أنه عندما كان أحد الأطراف يحقق نجاحات عسكرية أخيرة، كان يشعر بالتفاؤل بما فيه الكفاية ليصدق أن بإمكانه أن يقاتل حتى تحقيق النصر، ولم يكن مهتماً بتقديم تنازلات سياسية. وحتى لو كانت الأطراف المتحاربة عند مستويات متقاربة جداً من الإرهاق والمعاناة، فإن نصف دزينة من القوى التي كانت تشعل الحرب بالوكالة كان بإمكانها التأكد من عدم التوصل إلى توازن عسكري مستقر أبداً. وفشلت مباحثات جنيف على الرغم من الجهود الهائلة.

اختلاف الظروف

وما هو مختلف الآن هو أن أبرز القوى الإقليمية تتشارك في مصلحة لها صفة الإلحاح، وهي تكمن في هزيمة «داعش» قبل أن تصل الفوضى التي يزرعها هذا التنظيم إلى حدودها. ووفقا لخبير بارز في الصراع السوري، فإن هذا قد يجعل من الممكن أن يتخذ نظام الأسد والمعارضة غير المتشددة خطوة غير عادية للغاية. ويقول الخبير يزيد الصايغ من مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت إن الوقت حان لقيام نظام الأسد ومجموعات المعارضة غير المتشددة بتنفيذ اتفاقات هدنة شاملة (غير محلية) أحادية الجانب، بشكل منفصل إنما بالتوازي.

ولكي يحدث هذا الأمر، فإن أي اتفاق رسمي ليس ضرورياً أو ممكناً في الواقع.

ولن يجري النظر في شروط مسبقة معيقة لمثل هذا الاتفاق. وتصور الصايغ هو أن الجانبين حاليا يتقاسمان نصيبهما في توازن الضعف، وبحاجة إلى راحة من القتال ضد بعضهما بعضاً ليتمكنا من تركيز قواتهما على منع «داعش» من الفوز بانتصارات عسكرية قد تشكل متغيراً في قواعد اللعبة.

وحتى الآن، منع الجدل حول مصير بشار الأسد أي تسوية محتملة. ويمكن تفادي هذا المأزق إذا سمح للأسد بالبقاء في منصبه، رئيساً بالاسم، لكن مع توزيع معظم سلطاته على حكام المناطق ورئيس الوزراء والبرلمان والجيش. والأخبار الوحيدة اللافتة الآتية من الشرق الأوسط تفيد بأن «داعش» خلط المصالح السياسية والتحالفات للغاية إلى حد أن الافتراضات التي بدت منذ أشهر قليلة صلبة كالصخر أصبحت الآن عرضة للتساؤل، وهو وقت مناسب لاختبار ما يمكن القيام به.