التقى الرئيس الأميركي باراك أوباما، أخيراً، كبار مسؤولي الدفاع من حوالي 20 دولة في إطار التحالف المناهض لـ «داعش». وكانت الجلسة رسميا برئاسة الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة للولايات المتحدة وكبير المستشارين العسكريين المطلعين للرئيس أوباما، وأعلن في الجلسة عدم توقع أي قرارات فورية. ظاهريا، كانت الجلسة حول مراجعة الاستراتيجية ضد المنظمة المسلحة والتخطيط لها. وفي الواقع، كانت اختباراً لهمة أوباما والتزامه بالقتال.
وقد مر أكثر من شهر منذ أن بدأت الولايات المتحدة ضرباتها الجوية ضد «داعش» في سوريا والعراق. وكان افتراض رد فعل الجمهور الأميركي، إن لم يكن قادة البلاد، أنه ما أن تواجه المجموعة بشكل مباشر جبروت القوات المسلحة الأقوى في العالم، فإنها سوف تتراجع بسرعة. وفي الواقع، كانت الحملة دوما عملية شاقة طويلة، لكن حتى مع إسقاط ميل أميركا للإفراط في التفاؤل، وهوسها بالنتائج السريعة، فإنه من الواضح أن الأمور لا تسير بشكل جيد.
الأولوية للعراق
والعالم يراقب الصراع في مدينة عين العرب، حيث يبدو أن الأكراد بمساعدة من الغارات الجوية، على الأقل مؤقتا، قد أوقفوا تقدم قوات «داعش» التي تحاصرهم. لكن يقول كبار المسؤولين الأميركيين إن المعركة على الحدود التركية السورية هي في الواقع مشهد جانبي للصراع، ويصرون على أن الأولوية هي العراق، والحاجة الملحة لصد «داعش» هناك، وابقاء تلك البلاد المفككة متماسكة بطريقة ما. وبناء على هذا المقياس، فإن الحملة للأسف كانت حتى الآن عبارة عن فشل ذريع.
فمحافظة الأنبار هي بشكل مؤكد في يد «داعش»، والجيش العراقي ليس نداً للعدو، ويفر مئات الألوف من اللاجئين الجدد أمام تقدم المتمردين الذين يطبقون الآن على بغداد نفسها.
وتتفاقم التطورات القاتمة في الشرق الأوسط الآن مع مشكلات السياسة المحلية لأوباما. وكان متوقعاً تعليق المرشح الرئاسي الأسبق جون ماكين، وعضو مجلس الشيوخ الأميركي الأكثر تشدداً، بأنهم « يفوزون أما نحن فلا نفوز». وللأسف، فإن عدداً كبيراً من الأميركيين، ومن بينهم ديمقراطيون يشعرون بالشيء نفسه.
ولأول مرة، فإن السياسة الخارجية والأمن القومي يبرزان كقضية حيوية قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل، مما يجعل منهما استفتاء على أوباما أكثر من أي وقت مضى. ونظرا إلى شعبيته المتدنية، فإن هذا يعزز احتمال أن يستولي الجمهوريون على مجلس الشيوخ، مما يتيح لهم السيطرة الكاملة على الكونغرس، وتحويل هذا الرئيس من بطة عرجاء إلى بطة ميتة.
وبإنهائه حربين في أفغانستان والعراق، وسحب القوات الأميركية منهما، سعى أوباما إلى إخراج الولايات المتحدة من مستنقع الشرق الأوسط، للتركيز على آسيا والمحيط الهادي.
وبدلا من ذلك، فإنه غارق الآن حتى خاصرته في المستنقع ومجبر ضد غرائزه على أن يأمر بالغارات الجوية، لكنه يتعهد بأنه لن تكون هناك عودة للقوات البرية. ويرى الرئيس نهجه بأنه منطقي، فيما يرى أعداؤه، وأكثر ما يقلق، بعض من حلفائه العلنيين في الخارج، فيه ضعفا.
ومهما كان الرئيس الأميركي متردداً في دخول هذه الحرب، فإنه لا يمكنه الآن الخروج منها. وإذا لم تفلح الحملة الجوية، فإنه عاجلا أم آجلا سيكون عليه الاختبار ما إذا كان سيرفع الرهان بقوات برية. وسيكون القرار الأكثر إيلاما لرئاسة تتداعى بشدة.
أوجه شبه
يحذر البعض من فيتنام جديدة، لكن أوجه الشبه غير كاملة. وعلى عكس «داعش»، فان الفيتناميين الشماليين لم يخططوا لهجمات إرهابية على أهداف أميركية في أماكن أخرى، ولم تكتنفهم طموحات للهيمنة الإقليمية. لكن يبقى هناك تشابه واحد، وهو «المنحدر الزلق». فأوباما قد يحافظ على تعهده بعدم نشر قوات قتالية أميركية، لكن الجنرال ديمبسي ترك هذا الاحتمال مفتوحاً.
