هناك عبارة تتكرر عن لبنان مفادها أن قوته تكمن في ضعفه. وبالنسبة للبنانيين الذين يعيشون باستمرار في دولة غير مستقرة، فإن مثل هذه الطروحات تبدو تافهة وعقيمة، لكن يصادف أنها صحيحة أيضا. وبالتأكيد ما يراه النقاد في هذه العبارة هو أن لبنان خرج من حربه كدولة واحدة، لا دولتين أو ثلاث دول.
ويعود هذا جزئيا إلى واقع أن سوريا فرضت هيمنتها خلال الصراع، ومنعت أي انفصال، لكن كانت هناك أسباب أخرى أيضا، فالبلاد لديها ردود أفعال غير إرادية للتعامل مع خلافاتها الطائفية وإضفاء الطابع المؤسسي على التعددية الحزبية. بالتالي عندما انهارت الدولة، كانت هناك آليات للمصالحة.
وتحت حكم الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد وابنه بشار من بعده، والرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كانت الطائفية مطمورة تحت طلاء من القومية العربية البعثية. والنظام القومي العربي في سوريا والعراق مع ذلك كانت تهيمن عليه الأقليات، وكان يجري التمسك بالحكم من خلال أجهزة قمع هائلة.
والإزالة بالقوة للنظام القديم في العراق وسوريا، سواء من خلال التدخل الأجنبي أو الانتفاضة المحلية، قوض أدوات القمع. لكن لم تكن هناك مؤسسات رسمية أو غير رسمية لملء الفراغ، وللمساعدة في تنظيم العلاقات الطائفية والعرقية بعد ذلك. ولهذا السبب فإن الانهيار في البلدين كان كاسحا وكارثيا.
ولبنان ليس بعيدا عن الخطر في الوقت الذي يجتاح النبض الطائفي المدمر الشرق الأوسط، لكن البلاد لديها مؤسسات لتهدئة التوترات الطائفية.
ومن الصعب تصور القيام بعملية التطبيع في سوريا والعراق من دون إدخال نوع من نظام يزرع مساومات طائفية وعرقية في الحياة السياسية. وقد لا يؤدي إلى النظام الأكثر كفاءة، لكنه قد يكون كذلك حيث يمكن للتعايش الطائفي أن يتحقق.
ولبنان بالكاد يعتبر نموذجا مثاليا يحتذى به في الشرق الأوسط، لكن في هذه المنطقة حيث لم تلغ الطائفية مطلقا، بل كانت مطمورة تحت طبقات من الترهيب، فانه يعتبر نموذجاً ملائما أكثر من غيره. ولا يزال بإمكان لبنان أن يقع في صراع طائفي، لكن هذا لم يحصل إلى الآن، وهذا بحد ذاته أمر يستحق التنويه.

