كشف خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أخيراً، اختلافاً كبيراً في تفكيره. وكان عباس قبل ذلك الشخص الأكثر إيماناً وإخلاصاً بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية حصرية من الولايات المتحدة. وأصر مراراً وتكراراً على أن هذه المفاوضات هي السبيل الوحيد للتوصل إلى تسوية سياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

على مر السنين، كان عباس تصالحياً للغاية مع إسرائيل، وقدم تنازلاً تلو الآخر على صعيد قضايا رئيسية عدة، مفترضا أن ذلك من شأنه إرضاء إسرائيل وحملها على إنهاء احتلالها، والعمل معها لتحقيق التسوية السياسية، التي ستسمح أخيراً بإنشاء الدولة الفلسطينية، التي طال انتظارها.

التطرف الإسرائيلي

لم تثمر أي من المصالحات أو التنازلات التي أقدم عليها الرئيس عباس في أي وقت من الأوقات. وفي الحقيقة، اتجهت إسرائيل خلال كل تلك الفترة أكثر تجاه اليمين، وزاد عنادها واستعصاؤها على الفلسطينيين. ولم يكن هناك أدنى إشارة إلى رغبتها بتغير موقفها. ومع ذلك، توقع كل من الجانب الإسرائيلي والولايات المتحدة من الرئيس عباس استمرار قبوله الوضع الراهن، المُغلف بالمفاوضات غير المجدية وغير المثمرة.

وجه محمود عباس العملية السياسية لأطول فترة استطاعها حتى الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، التي شهدت مستوى غير مسبوق من الدمار والقتل، والتي وضعت حدّاً لتبديده الوقت في المفاوضات. ووضعت الضغوط الداخلية عباس أمام خيار وحيد فقط، هو رؤية الأشياء على حقيقتها، وليس كما يتمنى لها أن تكون.

كان خطاب محمود عباس في الأمم المتحدة واحداً من أفضل خطبه منذ توليه منصب الرئيس الفلسطيني قبل تسع سنوات.

لم يكن اعتذارياً ولا مراوغاً ولا تصالحياً، بل كان خطاباً مباشراً، واضحاً وصادقاً في استنتاجاته. وكانت الرسالة التي يحملها الخطاب واضحة وقوية على حد سواء، وهي أن إسرائيل ترفض حل الدولتين، وترفض إنهاء احتلالها، وترفض حق الفلسطينيين في إقامة دولة حقيقية وذات سيادة.

وبالتالي فلا فائدة من التفاوض معها، ما لم تتزامن المحادثات مع دعم دولي، ويكون لها هدف محدد يتمثل في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي ضمن إطار زمني صارم ومحدد، سلفاً. ووعد الرئيس الفلسطيني أيضا بتقديم قرار يتعلق بهذه المسألة إلى مجلس الأمن الدولي، وتعهد بالسعي لتحقيق العدالة في المحافل الدولية.

تطلعات الشعب الفلسطيني

بينما أصبح موقف عباس الآن يعكس تطلعات الشعب الفلسطيني، فلن يحسن التحول في موقفه بالضرورة الموقف الفلسطيني على الساحة الدولية. فثمة عقبات من شأنها تعقيد الاتجاه الجديد في السياسة الفلسطينية، وقد تؤدي على الأرجح إلى فشله.

وتتمثل العقبة الأولى في الانشغال العالمي في مواجهة »داعش« الذي وصل حد الهوس، وشغل جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وترك مجالاً قليلاً لأي موضوع آخر.

العقبة الثانية هي الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل، بغض النظر عما تفعله أو كيف تتصرف. ويوفر هذا الدعم بشكل أساسي لإسرائيل مظلة واقية على المستوى الدولي. وترتاح تل أبيب لحقيقة أن أميركا ستحبط أي محاولة فلسطينية لتمرير قرار يدعو لتحديد جدول زمني لإنهاء الاحتلال إلى مجلس الأمن الدولي. وذلك بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة ستعاقب الجانب الفلسطيني لمجرد تفكيره في هذا الخيار.

بطبيعة الحال، لم يذكر الأميركيون ما هي البدائل التي تسعى لها الولايات المتحدة، ولا ماذا تتوقع من الجانب الفلسطيني، إلى جانب بقائها في قفص العملية التفاوضية، التي ترعاها أميركا وتديرها إسرائيل، ذات التأثير الحقيقي على توحيد جهود الاحتلال الإسرائيلي.

طالما أن الولايات المتحدة تواصل دعمها إسرائيل بصورة عمياء، فإن كل المحاولات الفلسطينية الساعية للبحث في المحافل الدولية عن خيارات أخرى ستواجه بالرفض الأميركي والضغوط التي تغلق ببساطة مزيداً من الأبواب في وجه الفلسطينيين.وتتمثل العقبة الثالثة، الأكثر أهمية، بتردد الرئيس الفلسطيني حتى الآن في طرح الإجراءات التي يعتزم اتخاذها، إذا تواصل التعنت الإسرائيلي والأميركي. فالشكوى من الوضع الحالي في حدّ ذاتها لن تكفي، بل يجب إقرانها بخطوات عملية لتغيير الوضع.

وزير التعليم الفلسطيني الأسبق

 

التغيير المطلوب

جاءت استجابة الولايات المتحدة لخطاب الرئيس الفلسطيني في الأمم المتحدة محمود عباس مفاجئة ومقتضبة. وقالت متحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية إن الخطاب يحوي »تصريحات استفزازية« و »أوصاف مسيئة ومخيبة للآمال للغاية، ترفضها أميركا«.

وتؤدي السلطة الفلسطينية على حالها هذا دوراً يريح إسرائيل. فالسلطة تحميها من خلال ما يسمى »التعاون الأمني«، الذي تتخلص إسرائيل عبره من تكاليف احتلالها. يخطو الرئيس محمود عباس في الحقيقة خطوة ملموسة نحو حلّ السلطة الفلسطينية. ولن يأخذ المجتمع الدولي، وخاصة إسرائيل وأميركا، عباس على محمل الجد، وستبقى مطالبه تراوح في خانة الشكاوى فقط. فإحداث تغيير في مصير فلسطين يحتاج إلى أكثر من مجرد خطاب ناري في الأمم المتحدة.