كسبت الولايات المتحدة، بتصويت البرلمان البريطاني الكاسح لدعم الضربات الجوية ضد «داعش» في العراق، حليفاً آخر في المرحلة الجديدة، التي يرفض الرئيس الأميركي باراك أوباما تسميتها الحرب على الإرهاب، علماً بأنه أمر في الأسابيع القليلة الماضية بقصف «الإرهابيين» جواً في كل من الصومال واليمن وباكستان أفغانستان والعراق، كما أضاف سوريا، أخيراً، إلى اللائحة. أصبحت نسخة أوباما من الحرب على الإرهاب تضم دولاً أكثر من لائحة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش.

ويزيد الوضع مفارقة، أنه بعد مرور مئة عام على اتفاقية سايكس بيكو، التي وضعت بجرة قلم، حدوداً بين العراق وسوريا، يتم تفويض سلاح الجو الملكي البريطاني مهاجمة أهداف «داعش»، التي تقع على الجهة العراقية فقط من ذلك الخط سيئ الصيت المحفور في الرمال.

نهج مختلف

ويكمن التفسير الأفضل للوضع في ما يمكن تسميته سياسة إدارة الحرب. يؤمن أوباما بأنه انتخب رئيساً لأميركا لمواجهة ردّ سلفه بوش على اعتداءات 11 سبتمبر، القائمة على تقييم مبالغ به للتهديدات، وجدول عمل ملحّ، والمؤدية لإطاحة الرئيس العراقي السابق صدام حسين. لذا تمعن إدارة أوباما في تمييز سياساتها الحربية عن سياسات بوش، فيما يشعر رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون بالقلق إزاء أي عمل في الشرق الأوسط قد يعيد إلى ذاكرة الشعب البريطاني حرب العراق. وكانت بريطانيا، في خطوة كسرت التقاليد، آخر بلد ينضم للتحالف ضد «داعش».

تقتصر الضربات الجوية على العراق بشكل كبير، لما تتمتع به من حجة قانونية قوية، ناجمة عن طلب الحكومة العراقية للمساعدة، وذلك خلافاً للوضع في سوريا، حيث الحجة الدولية لقصف البلاد ضعيفة بضعف قضية حكومة رئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير، حول حرب العراق.

ويشعر المنتقدون في أوروبا والشرق الأوسط بالقلق من زحف العزلة إلى الولايات المتحدة، غير أن واشنطن تقود اليوم تحالفاً دولياً لشن هجوم جوي قد يدوم لسنوات، وتسليح وتدريب الجيش العراقي، والثوار في سوريا.

لقد ألحقت أكثر من خمس سنوات من الفشل في جلب الاستقرار للعراق، ووقوع عشرات الألوف من الضحايا، وهدر مليارات الدولارات على إعادة الإعمار، ضرراً فادحاً في ثقة أميركا بنفسها وبقوة جيشها، التي تصفها بأنها لا تقهر.

صيغة مغايرة

جاء ردّ إدارة أوباما معتمداً على سياسة خارجية مصممة لاستعادة احترام أميركا والقضاء على «موجة الحرب»، إلا أنها لم تتردد، على الرغم من استراتيجية التخفيضات العامة في مجابهة الإرهاب، بدءاً بقتل زعيم تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، وكل من يهدد أميركا. ولا يزال كذلك سجن غوانتانامو مفتوحاً، والإعدامات المستهدفة تخضع لتبريرات معمقة، على الرغم من إنهاء سياسة التعذيب. هذا هو المزيج الذي كان الجمهور الأميركي بحاجة إليه: المقاربة عينها لبوش لمواجهة تهديدات الإرهاب، من دون اعتماد استراتيجية مكلفة ومتكلّفة لترويج الديمقراطية عبر احتلال منطقة الشرق الأوسط الكبير.

أسئلة مصيرية

ينبغي الإجابة عن أسئلة مصيرية كثيرة، فبعد الانتهاء من الجولة الأولى من الغارات الجوية، وعدم وجود أهداف أخرى، هل ستكون هناك من جدوى للقوة الجوية بغياب قوات تحالف خاصة على الأرض تحدد مواقع تركّز مقاتلي «داعش» وتجهيزاتهم؟

على الرغم من النوايا الجيدة للعالم حيال حكومة العراق الجديدة، كما سيطول الأمر بالقبائل السنية لتحويل ولائها من «داعش» إلى بغداد؟ وأخيراً، بما أن تسليح الميليشيات المعتدلة في سوريا سيستغرق من ستة أشهر إلى عام، فهل سيوقف التحالف ضرباته الجوية إلى حين حدوث ذلك؟ أولن يصبح الرئيس السوري بشار الأسد أقوى أثناء ذلك؟

إلى أن تحصل جميع تلك الأسئلة على إجابات مقنعة، تصعب معرفة كيف ستنجح استراتيجية إدارة أوباما، وقد صارت هناك واحدة الآن، على المدى الطويل. الخبر الجيد هو أن العالم تصرف لوقف تصاعد زخم «داعش» وإضعافه على المسرح الدولي. أما الخبر السيء، فهو أن الأمر يتطلب قوة صامدة، وسياسة إدارة حرب جديدة ربما في الغرب، من أجل «القضاء كلياً»، وفق كلام أوباما، على التهديد الناشئ.