انضمت بريطانيا، أخيراً، إلى الحرب ضد تنظيم «داعش»، في إطار يضمن الإحباط، إن لم يكن الفشل. كان مجلس العموم البريطاني محقاً في قلقه إزاء تدخل أجنبي آخر غير محدود في العراق، وسوريا أو أي مكان آخر. لكن، في حين يعي أعضاء المجلس أن بريطانيا تدخل في حقل ألغام، كانوا أقل حيطةً حيال تحديد أمكنة الألغام، وما الذي يمكن فعله حيالها، إذا كان هناك ما يمكن القيام به أصلاً. كما في عام 2003، يحشر الأميركيون والبريطانيون أنفسهم في صراعات داخلية في العراق وسوريا، حيث تختلف أجندة اللاعبين الأساسيين عما يدّعونه علناً.

لنأخذ الهجوم، الذي يشنه «داعش» حالياً على مدينة عين العرب الكردية في شمالي سوريا، على الحدود مع تركيا، حيث تتم محاصرة ثلاثمئة ألف كردي في جيب يضيق، بينما المعركة تتم مع مقاتلين «داعشيين» أفضل تجهيزاً. لقد سبق لحوالي مئتي ألف كردي سوري أن فروا عبر الحدود التركية. كان ينبغي على الولايات المتحدة، وأكثر من أي مكان آخر، أن تنشر قواتها الجوية وتهاجم المقاتلين الزاحفين. فالضربات الجوية الأميركية ساعدت في حماية مدينة أربيل الكردية العراقية، في أغسطس الماضي، فلماذا لا تقوم بالمثل في عين العرب؟

إغفال البوصلة

كانت أميركا حتى الأمس القريب، وبشكل غريب، تستخدم قواتها الجوية في كل مكان من سوريا، عدا عين العرب، حيث شن «داعش» عدوانه الأخطر منذ بدء الهجمات الأميركية الجوية على سوريا. وسيطر على 64 بلدة، باستخدام الدبابات والمدفعية بواسطة الأسلحة التي استولى عليها من الجيشين العراقي والسوري. فلماذا هذا التحفظ الأميركي؟ يبدو أنه مدفوع بتمني عدم مهاجمة تركيا، التي لم تأبه يوماً للأقاليم التركية شبه المستقلة، التي تشكل موطن الأقلية الكردية القوية الناشئة على حدودها الجنوبية منذ عام 2011.

ويسأل مراقب تركي: « لماذا لا يزال مقاتلو (داعش) يعبرون الحدود نحو تركيا لعلاج إصاباتهم في المستشفيات، في حين يخضع الجسم الطبي، الذي يعالج المحتجين المصابين غير العنيفين في ميدان غيزي التركي للمحاكمة بتهمة (مساعدة الإرهاب)؟»

مصالح وغايات

جاءت خطب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام الأمم المتحدة في نيويورك معادية لـ «داعش»، لكن مقاتلي التنظيم يلقون التسامح من الدولة التركية.

المخاتلة الخطرة

يشكل تنظيم «داعش» جيش حرب عصابات ذا باع طويل في التعرض لقصف القوات الأميركية، العراقية والسورية. ويقتصر دور القوات الجوية في العراق وسوريا على وقف «داعش» عن دكّ أربيل أو السيطرة على عين العرب.

وكل ما يتعدى هذا الدور المحدود، لكن المهم، يفرض تأثيراً مضاداً للهجمات الجوية سريعاً. ويعتمد الأمر برمته على المصالح التي تخدمها تلك الحروب الأهلية ذات الأوجه المتعددة، حيث يلامس التجاهل السياسي أو خداع النفس حدّ الخطورة.

كما هي الحال مع وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون، الذي أعلن أن بريطانيا ستوظف هجماتها الجوية في دعم الحكومة العراقية الجديدة التمثيلية الجامعة برئاسة حيدر العبادي. إلا أن الحكومة العراقية الجديدة تشبه القديمة وتضاهيها طائفية، ولو بشكل ضمني أكثر.

التصرف الصائب

يتعين على بريطانيا، بالإضافة إلى إرسال طائرات التورنادو، القيام بكل ما يمكن لبدء المفاوضات بين اللاعبين الخارجيين الأساسيين في أزمة العراق وسوريا. وقد تتضمن تلك الأطراف كلاً من الولايات المتحدة وروسيا والسعودية، وإيران، إضافة إلى لاعبين داخليين، مثل الحكومة السورية، وأكراد سوريا، والمعارضة غير «الداعشية» المناهضة للأسد.

تكمن الطريقة الوحيدة للتخلص من تنظيم «داعش» على المدى الطويل، في البحث عن وسيلة للحدّ من تصاعد وتيرة الأزمة، بحيث لا تشعر الأطراف المحلية أنها تصارع لبقائها. فتنظيم «داعش» هو حتماً آلة حرب، وطالما رحى الحرب تدور في سوريا، لا يمكن هزيمته.

المسايرة والاختباء

تشكل الممارسات العسكرية الأميركية المتغاضية، دليلاً ساطعاً على أن أنقرة ترى منفعة من استخدام «داعش» في محاربة الأكراد. وترتكب الولايات المتحدة بمجاراتها الوضع، الخطأ عينه الذي اقترفته في أفغانستان بعد عام 2001، حين فشلت في التجاوب مع دعم باكستان الخفيّ، إنما المفصلي لحركة طالبان، وهو الأمر الذي رأي فيه عدد من الدبلوماسيين في ما بعد، خطأً فادحاً، حكم بالفشل منذ البداية على التدخل الأميركي البريطاني في أفغانستان.

على صعيد آخر، تتمثل النقطة الأبرز، التي يجب على بريطانيا عدم التغافل عنها، بينما تخطو خطواتها العسكرية الرمزية الأولى الواسعة نحو العراق، بوجود قيود تحدّ أي إنجاز عسكري يمكن تحقيقه في هذه الأزمة. وهو الأمر الذي تحجبه الخطب المنمقة المرافقة لأولى أيام العمل العسكري، حيث يتعمد الخبراء العسكريون تضخيم الأضرار اللاحقة بالأهداف.