تولى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مقاليد منصب يوصف بأنه من أصعب الوظائف في العالم. لقد ورث السيسي ما يزيد على 30 عاماً من الإهمال والفساد، وشح الوظائف، وتراكم الديون، ومحنة ملايين المصريين، الذين يكافحون لتخطي خط الفقر.
وقد زاد التحدي صعوبة مرور ثلاث سنوات من انعدام الأمان، وغياب الاستقرار، والاضطراب الاجتماعي، ما أسهم بتقويض المسار الاقتصادي للبلاد. لو كان هناك شخص آخر في هذا المنصب لاستسلم ومشى، لكن السيسي ذا العود الصلب، والرئيس المرفوع بحب لا شك فيه للوطن، مصمم على تحقيق رؤيته، برغم كل الصعاب.
حنكة سياسية
أما على جبهة السياسة الخارجية، فقد وطّد السيسي علاقات ودية مع إثيوبيا بعد فترة من الجمود، عقب بناء سدّ قد يقلل من نسبة وصول مياه شرب نهر النيل إلى مصر. ويتوقع أن يقوم السيسي بزيارة إلى أديس بابا في وقت لاحق من هذا العام لمناقشة العلاقات الثنائية بين البلدين.
وتودد إلى الجزائر التي أصبحت تتعاون مع مصر «لتحقيق السلام والأمن»، في ضوء التهديدات التي تلقاها البلدان من ليبيا. نجحت الجهود الدبلوماسية لحكومة السيسي في إعادة مصر إلى الاتحاد الإفريقي، وأظهر السيسي نفسه حنكة سياسية في دوره كوسيط في عملية وقف إطلاق النار في غزة. وينتظر أن تستضيف القاهرة في أكتوبر المقبل، مؤتمراً دولياً للمانحين من أجل إعادة إعمار غزة.
الشريك الاستراتيجي
خففت الولايات المتحدة من حدة لهجتها باتجاه مصر، بعد موقف أميركي تاخم حدود العداوة على خلفية انتقال السلطة، وها هي اليوم تفرج عن عشر طائرات هليكوبتر من نوع أباتشي. وقد أقر وزير الخارجية الأميركية جون كيري بأن مصر تلعب دوراً مركزياً في التحالف ضد بربرية داعش«، ووصفها بالشريك الإقليمي الاستراتيجي المهم. وأثنى كيري كذلك على جهود القاهرة لإحقاق السلام في غزة.
إلا أن مصر قد مالت باتجاه روسيا في محاولة لتنويع العلاقات وضمان استقلاليتها عن واشنطن في مسألة السلاح. وقد وقعت موسكو والقاهرة، أخيراً، صفقة سلاح بقيمة 3.5 مليارات دولار. واختيرت روسيا كذلك لإنشاء منطقة صناعية على طول قناة السويس، في حين ارتفع معدل التجارة المتبادلة بين البلدين إثر العقوبات، التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على روسيا. وتتمثل إحدى أولويات السيسي، بموازاة حل القضايا الأمنية، في تطوير اقتصاد مصر.
وقد تطلّب ذلك اتخاذ بعض الإجراءات الصارمة لناحية تقليص دعم الطاقة، الأمر الذي أثار شعوراً بعدم الارتياح. لكن كان لا بدّ من تلك الخطوة على الرغم من المخاطر التي تنطوي عليها، وفقاً للمحللين الاقتصاديين وصندوق النقد الدولي. لبى المصريون كذلك نداء السيسي لتوفير النقد من أجل تمويل مشروع قناة السويس الضخم الجديد بمالهم. وتهافت الناس لشراء شهادات التمويل، التي نفذت بشكل مدهش، في غضون أحد عشر يوماً فقط.
مرحلة التطوير
تحتل مسألة رفع المستوى التعليمي والمرافق أولوية متقدمة بالنسبة للسيسي، سيما بعد أن صنفت البلاد في مركز متراجع وفق تقرير التنافسية العالمي السنوي، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي. وستنشئ الحكومة المصرية لهذه الغاية 1150 مدرسة جديدة، كما تخطط لبناء مصانع جديدة وتطوير المستشفيات.
تتوقع مصر كذلك استقطاب استثمار أجنبي بقيمة عشرة مليارات دولار في السنة المالية المقبلة. وتتجه مؤشرات البورصة صعوداً، في حين أعلن وزير السياحة عن توقعات بتعافي القطاع السياحي بنهاية العام المقبل شرط الحفاظ على الاستقرار.
يواجه السيسي، على مستوى آخر، مشكلة النقص الحاد في الطاقة، وتنظر الحكومة المصرية في مصادر الطاقة المتجددة، وقد وقعت صفقات للتنقيب عن النفط والغاز مع عدد من الشركات الغربية. وستزود دولة الإمارات، مصر بالنفط بشروط مواتيه على مدى العام المقبل، في حين تسلم روسيا سبع سفن من الغاز الطبيعي السائل مع بداية ديسمبر المقبل.
ألقى السيسي خطاباً افتتاحياً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ركز فيه على الاستقرار في المنطقة. ولا يسع المرء القول، بالنسبة لرجل عاش ثورتين، وشهد على سلسلة من التحسينات، والأجواء الإيجابية، إلا بمنح المزيد من السلطة له ولتسعين مليون مصرياً تعهد بخدمتهم!
إنجازات أمنية
تمكن السيسي، في غضون أربعة أشهر، من إنجاز عدد من الأمور على لائحة أعماله.
واستطاع أن يجعل من مصر مكاناً أكثر أماناً، نسبياً. وباتت جماعة الإخوان المسلمين عملياً من الماضي، حيث تفرقت صفوف المعارضين وقلّ عددهم. وتخلى حزبان إسلاميان أساسيان، أخيراً، عما يسمى «التحالف الوطني لدعم الشرعية»، الذي تقوده جماعة الإخوان المسلمين، من أجل تشكيل تحالفات جديدة مستعدة لخوض الانتخابات النيابية المقبلة.
وتسود حالة من البلبلة أوساط جماعة الإخوان المسلمين، سيما بعد أن أطلق عليها عدد من الدول كمصر وروسيا صفة «الإرهابية»، في حين أقفلت بريطانيا الباب بوجه «الناشطين» المنتمين إلى صفوفها وستتخذ قراراً بالحد من نشاطات تلك الجماعة على أرض المملكة المتحدة.
