تتحول تمبكتو، مدينة الذهب ومركز العلم العريق، اليوم، إلى مدينة من غبار. وتخنق الصحراء الحياة هناك، لكن السكان يعلمون أن اللوم لا يقع على قوى الطبيعة وحسب. تترنح تمبكتو على حافة الوجود، بسبب إهمال الإنسان، وحروبه وأطماعه، حيث التخلف والفساد تآمرا على تصحيرها. تقع المدينة، التي تشكل معقل المسلحين، منذ احتلالها عام 2013 على يد انفصاليين وآخرين مرتبطين بالقاعدة، على بعد 600 ميل من عاصمة مالي، باماكو. وتبحر المراكب في نهر النيجر لثلاثة أشهر في السنة، حيث الطائرات ممنوعة على الماليين.

الناس في تمبكتو إما أنهم يتأقلمون، أو يرحلون. بدأ الكثيرون بحفر التجويفات عقب جفاف القناة، وكانوا يضطرون للحفر أعمق كل عام، إلى أن استسلم العديدون. يوجد بجانب إحدى الحفر فندق كان الرئيس الليبي السابق معمر القذافي قد اشتراه، وأرسل المعدات الثقيلة لحفر قناة تمبكتو، التي امتدت حتى نهر النيجر. عادت الطيور إلى المنطقة، وعاد الناس لممارسة أعمال الزراعة، وإرسال أولادهم إلى المدارس، ومنحهم حياة مختلفة يتطلعون إلى عيشها.

ويقول سالم ولد الحاج، صاحب مؤلفين عن تمبكتو: «جلب القذافي المياه إلى تمبكتو لمدة عام ونيف. لكن اليوم، وفيما خلا الأشهر الثلاثة، التي تعقب فيضان نهر النيجر، تعتبر القناة مجرد وعاء رملي تملأه الأحواض المهجورة. وقد فشلت بعض المحاولات الأخرى لعكس تأثير التصحر، حيث تم نشر الحواجز وزراعة الأشجار في محيط المطار عام 1990. إلا أنها تعرضت للقطع أثناء الأزمة لاستخدامها في التدفئة. »

أما كلمة «الأزمة»، فتعبير يصف به شعب مالي الانقلاب العسكري للعام 2012، الذي أعقبه احتلال المسلحين لشمال البلاد. فرض المتشددون ضوابط صارمة وقضوا على بعض مخطوطات تمبكتو، ودمروا بعض أضرحتها القديمة. وفي يناير من العام 2013، تدخلت القوة الاستعمارية السابقة، فرنسا، عسكرياً، وتبعتها الأمم المتحدة التي أتت بعشرة آلاف جندي وعنصر شرطة إلى البلاد. ولا تزال اتفاقية سلام شمال مالي تنتظر التوقيع.

تعتبر مؤسسات الدولة، وإمدادات الكهرباء، والمصارف، والهيئات القضائية مجرد امتداد للدولة المركزية، التي تركت تمبكتو طي الإهمال، منذ أن نالت مالي استقلالها عام 1960. وتجسد إهمال العاصمة المتمادي بتمبكتو، في عدم قيام السلطات بأي دراسة جيولوجية قد تكشف عن احتمال وجود مياه جوفية في المنطقة.

يتطلب الوصول إلى نهر النيجر من تمبكتو مدة ثلاثين دقيقة، على طريق متعرج يمتد بطول 12 ميلاً من الحفر، التي تملأ الطريق المعبدّ الوحيد في بقعة أكبر مساحة من فرنسا. يقع على الطريق المطار الذي تعرض للقصف أخيراً، وعلق التجار على الأمر بالقول: «يريدون إخافة الأمم المتحدة والفرنسيين. يريدون عزل تمبكتو ليبقوا سيطرتهم على الاقتصاد».

وفي ردّ على سؤال حول «من يكون هؤلاء؟»، تسمع القول: «إنهم الطوارق، والمجموعات الأخرى. يعملون لحساب اتحادات المنتجين، ويختلفون سياسياً، لكن حين يتعلق الأمر بتهريب الأغذية، والأسلحة، والبشر، والكوكايين، فهم يتعاونون». وتقوم جماعة التجار باحتكار السلع ورفع أسعار المواد الغذائية الأساسية وبيع مؤن المساعدات. ويقول بونا، أحد أبناء سلالة من التجار العرب: «الفساد مستشرٍ في كل مكان. سواء في أوساط عصابات قطاع الطرق المسلحين، أو رؤساء البلديات، والمسؤولين ورجال الشرطة المنتظمين، أو عناصر الجيش والجمارك. لا تملك مالي أي سلطة على أراضيها، لذا لا يفاجئنا تدخل الآخرين في شؤوننا. الوضع هنا أشبه بالغرب الأميركي».

بين الأمس واليوم

تحتضن تمبكتو، مدينة الرمال الذهبية، المأهولة بعدد سكان لا يتجاوز الخمسة عشر ألف نسمة، ألفاً ومئتي عنصر من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. وهي تخلو من الإشارات الضوئية وبالكاد ترى فيها سيارات، حيث تشكل الحمير وسيلة النقل. أما القناة المائية التي تتخذ من نهر النيجر مصدراً لها، فقد خبت عام 1955.