يُشكّل الجدل الدائر حول مواجهة الوضع الراهن في العراق وسوريا بنداً على لائحة القضايا الأميركية المطروحة. لكن يجب القول، بدايةً، إن الحرب ليست ضد تنظيم «داعش»، بل إن ثقل الحملة الأميركية يرتكز على إيجاد شبه دولة عراقية موحدة.
لا يمكن أن يكون هناك أي معنى للانتصار العسكري في العراق بغياب الاستقرار السياسي، وحصول تغييرات في نوعية ومساواة الحكم، بحيث يتم منح كل الفصائل الأساسية في البلاد الأمل والحافز للتعاون. كما أن النصر العسكري يتجرد من معناه ما لم يتولد عن تلك التغييرات بناء هيكلية قوات أمن عراقية تستطيع استرجاع كافة أجزاء البلاد والحفاظ على أمنها.
الحرب ليست موجهة نحو «داعش» وحسب في سوريا. إذ إن المحصلة الأفضل لإضعاف التنظيم وتدميره لن تنتج انتصاراً عسكرياً واسع النطاق يقف بمواجهة العنف المتشدد.
ولن تؤدي إلى هزيمته في كل من سوريا والعراق، بل لقمعه إلى الحدّ الذي تتمكن فيه الجماعات الإثنية والطائفية الأساسية من إيجاد بديل. وسيظل تهديد التشدد ينمو حتماً في بقية العالم الإسلامي.
مكامن الخطر
الأخطر من ذلك، أن الوضع الحالي سيترك سوريا منقسمة بين نظام الرئيس السوري بشار الأسد، الذي تغلب على تنظيم «داعش» في إسقاط المزيد من الضحايا، ونشر حالات العذاب الإنساني والقمع، وإعادة السيطرة على غالبية الشعب السوري، مع ترك المقاتلين في الشرق في حالة اقتتال وانقسام. ستستمر أزمة اللاجئين والنازحين السوريين، كما أن الجهود الأميركية والعربية لإيجاد بديل عسكري وسياسي ناجح، قد تطول لسنوات.
تلك هي الأهداف والحقائق الأساسية، التي تحدد شكل الصراع ضد «داعش»، والأهداف الاستراتيجية الأوسع للولايات المتحدة في العراق وسوريا.
إلا أنها تضع، في الوقت عينه، بعض القيود الأساسية على نوع الحضور العسكري البري الأميركي الذي يساعد على تحقيق الأهداف المرسومة، حيث إن الولايات المتحدة لا تغزو البلاد أو تحتلها هذه المرة، بل تدخل بلداً منقسماً، مدمراً، مدفوعاً إلى الحرب الأهلية.
ضرورة التحرك
إلا أن قرار اللجوء لقوات المشاة الأميركية يجب أن يأخذ في الاعتبار حتمية انخراط أولئك الجنود في الحرب الأهلية العراقية. فالسياسات السابقة قد عملت على تسييس الجيش العراقي ومساعدته على الفساد، وتهجير أبنائه، وإعدام قادة السنة، وشل الاقتصاد الكردي والبيشمركة، وإيجاد فراغ في السلطة أتاح للتنظيم السيطرة على مناطق واسعة.
قد تتمكن حكومة عراقية شاملة جديدة أكثر مصداقية من تخطي هذا الإرث، على المدى القريب بأفضل الأحوال.
وسيكون عليها التعامل مع الشعب، الذي ينظر بغالبيته إلى الولايات المتحدة على أنها العدو، ويخشى أن تنقلب عليه، في حال لجأ إليها للتغلب على أعدائه، ويعتبر الاحتلال الأميركي للعراق مسؤولاً عن انتشار البؤس وانعدام الأمن الحاليين.
رأي الخبراء
يجمع جنرالات أميركا على أنه لا يكفي إنشاء قوات عراقية والحفاظ عليها، بل لا بد من تمكينها قتالياً على الأرض. لكن ذلك يحتاج لضم قوات خاصة، وفرق الخبراء القادرة على الدفاع الذاتي، والمستعدة لنقل المصابين وتأمين العون الطبي.
يشكل دفع العراقيين للقيام بالأمر على طريقتهم على أرض المعركة عاملاً جوهرياً. إلا أن مساعدتهم على تغيير «طريقتهم» في المناورة، والعمليات المشتركة، إضافة إلى تطوير حسّ القيادة في العمليات المعقدة أمر أساسي كذلك. ويتطلب وجود عناصر أميركية على الأرض منخرطة في الحرب لإحداث فارق حقيقي.
ضرورة التنبه
ذاك هو المخطط والخطر، اللذان كان ينبغي عرضهما على مجلس النواب الأميركي منذ البداية. هذا هو مستوى التدخل الأميركي في العراق، الذي كان على أوباما التحلي بالشجاعة لشرحه والدفاع عنه. وذلك هو مستوى «التورط في الوحول العراقية»، الذي يحتاج مجلس النواب الأميركي لفهمه، ومناقشته ودعمه.
المخاطر السياسية كبيرة بما يكفي، ومحاولة إنجاح الطرف العراقي على أساس هجمات جوية ومولدات قوة على الأرض لا تستطيع التقدم ولا التمركز حيث تترك تأثيراً، خطة مقدر لها الفشل.
يشكل مستوى، وتوقيت، وحدّ الحملة الجوية على العراق عنصراً جوهرياً، على غرار الجهد المقترح لإنجاح مخطط دعم الثوار السوريين مع الوقت. لكن الجدال حول قوات المشاة البرية هو ما يهم فعلاً، حيث تقديم المشورة لقادة العراق الراهنين والسابقين الأساسيين مركزي، ويحتاج تبنيه بأسرع وقت ممكن.
مشكلات معقدة
لا يعتبر نشر وحدات مشاة أميركية، في ظل الظروف الراهنة مشكلة من حيث السياسة الأميركية الداخلية، والثمن الذي ستدفعه من مال ورجال.
بل من حيث انعدام شعبيتها، اعتبارها قوة أجنبية غريبة منحازة، ما سيؤدي إلى مشكلات تمس بوحدة العراق السياسية، وتقلص اندفاع الأطراف لوضع ترتيبات أمنية فاعلة، لاحتواء ودحر تنظيم «داعش» والقوى التي تغذي الحركات السياسية العنيفة المتشددة. أظهر العراقيون أنهم قادرون على القتال والاقتتال.
إذا تمكنوا من إنشاء وحدة عسكرية كافية، وإدخال تحسينات على الحكم، واعتماد مشاركة أفضل لموارد النفط، فستحتاج إلى كل مشورة ممكنة، كما للمدربين، والمساعدة الاستخبارية، وإدارة الدعم الجوي. سيعوزها طرف ثالث غير متورط في الفساد المتوطن في البلاد، لا ترى فيه الأطراف مجتمعة أي ارتباط بفصيل معارض.
