يواصل وزير الخارجية الأميركي جون كيري تحركه النشط لبناء «تحالف الشركاء الواسع النطاق» وفقاً لخطط الرئيس الأميركي باراك أوباما. وانسحبت على تلك الجولة عناوين عريضة تشير إلى حصول كيري على الدعم والتعاون في الدول التي شملتها جولته. إلا أن قراءة الوضع عن كثب، أظهرت أن كل تعهد أتى مرهوناً بشروط محددة وكل تحالف قيدته حدود.
أعربت بريطانيا وألمانيا القريبتان من أميركا عن استعداد للمشاركة، إنما ليس في الأعمال العسكرية. وحدّت تركيا من دورها، بينما حوّرت مصر الموضوع باتجاه التصدي لجماعة الإخوان المسلمين.
في حين بقيت روسيا والصين، وهما دولتان عملاقتان جيوسياسياً داخل مجلس الأمن، خارج إطار التحالف. أما إيران، فحذرت من وجود نوايا أميركية عدوانية، على الرغم من محاربة المجموعات العراقية الموالية لها إلى جانب الولايات المتحدة.
بيد أن كيري ثابر على مواصلة جهوده من دون كلل. وأكد في زيارة له لبغداد، أخيراً، أن مقاتلة «داعش» تجري بشكل منضبط وملهم وقال: «كل دولة على وجه الأرض تملك القدرة والمصلحة في الانضمام للجهود المبذولة. إنها اللحظة المواتية لإثبات قيمة التعاون الدولي».
التحالف الصعب
إن انتكاسة واحدة، أو مجرد عثرة واحدة، قد تحوّل التعاون إلى شقاق. فعدد من الدول ترى وجود مخاطر تفوق خطر تنظيم «داعش» في منطقة الشرق الأوسط، والولايات المتحدة الأميركية لم تعد تلك القوة التي لا تضاهى، كما كانت حين حشد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش عشرات الدول في حرب الخليج لعام 1991.
يبدو التحالف الجديد أقل عزماً وتوحداً، وأكثر عرضةً للتصدع تحت ضغط الأحداث الدموية في شمال العراق وشرق سوريا.
شد الروابط
واتضحت المشكلة، أخيراً، عقب جولة من الاجتماعات المتواصلة مع كبار الشخصيات الأجانب، حيث طالعت كيري أخبار وتقارير تفيد عن طرح الدول العربية تنفيذ ضربات جوية ضد «داعش»، في خطوة تحمل بظاهرها تطوراً مرحباً به بالنسبة لدول التحالف.
إلا أن كيري وصف تلك التقارير بالسابقة لأوانها، وشكا من تركيز الإعلام على مسألة الضربات الجوية، وقال: «يشكل القصف أحد العناصر الهامة، لكنه يبقى مجرد عنصر وحيد ضمن مجموعة عوامل». ودعا كيري إلى تركيز الجهود على جلب الاستقرار للعراق ومواجهة الرسالة المتشددة للتنظيم، على اعتبارها «خطوة أكثر أهمية من العمل العسكري في النهاية».
المساعدة المشروطة
وتأتي على نحو موازٍ، المساعدة غير العسكرية من حلفاء الولايات مرهونة بالشروط. حيث حدد وزير الخارجية المصري في لقاء له مع كيري ثمن تقديم المساعدة بمضاعفة المساعدة الأميركية لمصر في حربها ضد الإرهابيين داخل مصر ودولة ليبيا المجاورة.
حتى دور أوروبا في الجهود المبذولة يبقى غير واضح المعالم، على الرغم من تزايد المخاوف من شن تنظيم «داعش» هجمات إرهابية هناك. تزايدت في بريطانيا حدة المشاعر المناهضة للحرب منذ حرب العراق، ولم يشكل قطع رأسي الصحافيين الغربيين سبباً كافياً يدفع رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون إلى الالتزام بالمشاركة في الهجوم الجوي في العراق.
الحرب الطويلة
عاد كيري، بالطبع، إلى واشنطن مزوداً ببعض الالتزامات الثابتة، حيث وافقت أربع عشرة دولة على إرسال السلاح، في حين طرحت 29 دولة تقديم المساعدات الإنسانية، وقبلت سبع دول فقط بإرسال الجنود للقتال.
ما من شك حيال الجهة التي ستضطلع بالجزء الأكبر من العمل، وفق كلام أوباما، الذي قال: «حين تواجهنا مشكلة كبرى في العالم، فإن العبء الأكبر يقع على كاهلنا نحن. ليس هناك الكثير من الدول، التي تستطيع القيام بالأمر على النحو الذي نفعله».
إلا أن تكلفة وعواقب القيادة الأميركية، أمران لا يزال يغلفهما الغموض. وقد أبلغ رئيس هيئة الأركان العامة المشتركة بالجيش الأميركي الجنرال مارتن ديمبسي مجلس النواب الأميركي عن احتمال الحاجة لوجود المقاتلين على أرض المعركة، في تصريح مناقض لتعهد أوباما بعدم «التخبط في وحول العراق».
إذا وضعنا المقاومة المحلية جانباً، فإن تذبذب المهمة الأميركية قد يلحق الصدع في بناء التحالف الدولي الهش. حتماً، إن التحدي الأكبر الذي يواجه التحالف قد يتمثل في الالتباس حول المكان، الذي تقود أميركا التحالف إليه.
بين التصور والواقع
يتصور وزير الخارجية الأميركي جون كيري أنه يمكن للتحالف واسع النطاق أن يقوم بأمور تتخطى مواجهة «داعش» على أرض المعركة، حيث يشكل قطع مصادر التمويل عن تنظيم «داعش»، ومنع تهريب النفط وتدفق المقاتلين الأجانب إليه، وحشد الهيئات المختصة نحو إدانة إيديولوجيته، كلها عوامل أكثر أهمية بنظره.
ويقف بوجه تحالف أوباما أعداء أشداء، ففي حين تلتزم الصين الصمت، يطالب المسؤولون في روسيا بتأمين تفويض من الأمم المتحدة لأي هجوم جوي في سوريا، وهو أمر قد يلجأون إلى عرقلته داخل مجلس الأمن.
ثم تأتي إيران، التي تراوح بين كراهيتها لتنظيم «داعش» من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، وتشترط مواصلة برنامجها النووي لقتال التنظيم.
