أدلى ما يزيد عن 87 في المئة من الناخبين في مقاطعة أبردينشاير البحرية بأصواتهم، ضمن استفتاء حول استقلال اسكتلندا. أما في مقاطعة كلاكمانانشاير، فقد تخطت نسبة الاقتراع ال88 في المئة، وقاربت في الجزر الغربية نسبة 90 في المئة.
بلغت النسبة الإجمالية للاسكتلنديين المشاركين في الاستفتاء 84.6 في المئة، أي بنسبة تزيد 20 في المئة عن الانتخابات البريطانية العامة الأخيرة. وتشكل تلك الأرقام نسبةً مذهلة، بالنسبة لاستفتاء لم يكن مفترضاً به أن يكون مثار اهتمام، ولم تأخذه لندن على محمل الجدّ، ولم يسارع الإعلام البريطاني إلى تغطية أحداثه سوى في الأسابيع الأخيرة المحمومة. بقيت المملكة البريطانية متحدة في النهاية، وستبقى اسكتلندا جزءاً من بريطانيا، وهدأت هذه المسألة تحديداً لفترة جيل من الزمن. إلا أن المحصّلة تشكل تحذيراً من أنه تحت السطح، تشهد الأرض السياسية البريطانية، كما في كل مكان آخر من أوروبا، تحركاً ما.
كان من المفترض أن يكون الناخبون على امتداد القارة الأوروبية غير مبالين، وبعيدين عن الاهتمامات السياسية. لكن تبين أنه يمكن إثارة حماسة الأوروبيين سياسياً طالما توفر لهم السياسة أمراً يحمل شيئاً من العمق، ويبتعد عن الاختيار بين ضرائب مرتفعة أو متدنية، ويتجه نحو خيار وجودي، كجدال حول الهوية وفرصة الانقلاب على المؤسسات. تتمتع الولايات المتحدة بتاريخ طويل من الخطب المعادية لواشنطن، لكنها المرة الأولى التي نسمع فيها عن خطب مناهضة لقصر وستمنستر بمثل هذه القوة في المملكة المتحدة: ضد المحافظين، وحزب العمال، والأهم أنها ضد لندن، التي يراها البعض خاضعة لسيطرة مصرفيين غير خاضعين للمساءلة، وأوليجاركيين أجانب.
ويرجع كثيرون الحسّ القومي الاسكتلندي الحديث إلى عهد رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت تاتشر. إلا أنه، على غرار الحركات الأخرى المناهضة للمؤسسات في أوروبا، تسارعت وتيرة الحركة الجديدة بفعل الأزمة المالية للعام 2009، حين ضرب بريطانيا، كما بقية أوروبا، إعصار مالي بدا قادماً من مكان بعيد. وألقي باللوم حينها على قوى خارجة عن سيطرة بريطانيا في اتخاذ قرارات اقتصادية غير شعبية في تلك المرحلة.
انبثقت حملة «نعم» الاسكتلندية من مطلب شعبي بإعادة تلك القوى تحت السيطرة، ولاتخاذ قرارات محلية تجابه المنطق المتصلب للأسواق العالمية. وبدت حركة الاستقلال الاسكتلندي، في أسوأ طابع طوباوي لها، بأنها تعد بالمزيد من الانفاق الاجتماعي من دون فرض ضرائب مرتفعة، وكأن الشعب الاسكتلندي قادر على البداية من الصفر وإيجاد بلد «أفضل» من دون دفع أي ثمن للانفصال عن بريطانيا.
وتعتبر تلك الوعود معتدلة بالمقارنة مع ما تقدمه أحزاب أوروبا الأخرى المناهضة لمؤسسات الدولة. حيث لا تنادي غالبيتها بالاستقلال، بل بالتجديد الوطني والسيطرة القومية على الاقتصاد، والحدود، والمصير.
تعتبر بعض الاتهامات الموجهة إلى الأحزاب الأوروبية غير منصفة. فقد أتى فرض سياسة التقشف البغيضة، في الواقع، على عدد من الدول نتاج سياسة الإسراف الخاصة بها وليس بسبب «أوروبا». وقد يصح أيضاً القول إن العديد من الأحزاب الجديدة تستلهم، كما في اسكتلندا، نزوات رجعية غير واقعية بالانفصال، إما من أوروبا أو من الأسواق العالمية أو بقية العالم. لكن، على الرغم من عدم إنصاف تلك الاتهامات أو عدم واقعيتها، فهي تشكل اليوم العواطف، التي تحرك الشعوب. الطاقة السياسية لا تحبذ الوضع الراهن، ومن المؤكد أن المزيد من الهزات مقبلة على الطريق.
استعادة القرار
تتخذ الوعود أحياناً شكل خطب معادية للهجرة، أو للاتحاد الأوروبي أو لألمانيا. وترتبط بعض الحركات بنفور من النخب الوطنية الموجودة. حيث ضجر الناخب الأوروبي من المناوشات بين اليسار الوسطي واليمين والوسطي وتحالفاتهما في بعض الدول، كما أنه فقد ثقته بها كافة بعد الأزمة المالية. ولا عجب من أنه بات يريد إعادة صنع القرارات إلى أحضان «الديار».
