تواءمت الصين والهند في التصور العالمي أيام اندفاعتهما معاً، واتخذت المقارنات بينهما طابعاً أكثر تواضعاً. فالبلدان اللذان تشاركا يوماً صيغة عمالقة دول آسيا ذات الديموغرافيات العامرة والإمكانيات الاقتصادية اللامحدودة، يختلفان عميقاً اليوم في نظر الكثيرين.
مسيرة التحول الداخلي غير المكتملة في الهند، واقتصادها المتراجع أخيراً، وديموقراطيتها المنتعشة الشرسة تميزها كثيراً عن الصين، التي قفزت خطوات جبارة اقتصادياً، وحافظت على نظامها الاستبدادي في ظل حكم الحزب الشيوعي الواحد.
على الرغم من هذه التباينات الشاسعة بين الهند والصين، وإرث حرب 1962، التي انتهت بنصر ساحق للصين وأورثت الأمتين النزاع الحدودي الأطول في العالم، يسير البلدان اليوم في خطوات تقرب أحدهما للآخر بشكل لافت للنظر.
يشمل برنامج زيارة زعيم الصين، الرئيس شي جنبينغ، الذي رسخ دعائم نفوذه في بكين، للهند، حضور عيد ميلاد رئيس وزرائها نارندرا مودي، الذي لا يزال يتنعم بانتصاره الساحق في الانتخابات.
استاءت نيو دلهي من مطالبة الصين بولاية »أروناجال براديش« الواقعة في شمال غرب الهند، والتي تطلق عليها بكين تسمية »جنوب التبت«. كما شعرت بالغضب حيال دعم الصين لباكستان في قضايا الجغرافيا السياسية للقارة، وإصرارها على إصدار تأشيرات مدبّسة للهنود، الذين يعيشون في كشمير للتقليل من أهمية اعتبار بكين لهذه المنطقة، كمنطقة متنازع عليها. في المقابل، تنظر الصين شزراً إلى الهند، التي منحت اللجوء للدالاي لاما وأتباعه، وإقامة هؤلاء حكومة للتبت في المنفى فوق أرض هندية.
إلا أن العلاقات الاقتصادية تتخذ منحىً مختلفاً. فالصين تحتل مركزاً متقدماً على الهند، بعد أن بدأت مسيرة التحرر الاقتصادي قبل عقد ونصف العقد، وحققت نمواً هائلاً مقارنةً بالهند. أم على الصعيد التجاري، فقد زاد حجم التجارة المتبادلة أضعافاً على مدى العقود الثلاثة الماضية. وقد تجاوزت الصين اليوم الولايات المتحدة لتكون الشريك التجاري الأوحد والأكبر للهند.
افتتحت شركات تكنولوجيا المعلومات مكاتب لها في شنغهاي وهانغتشو، حيث عشرات المهندسين الصينيين يعملون ويتعلمون.
أما على الصعيد السياسي، فتعتبر كل من الهند والصين أنهما تجاوزتا النظام العالمي الخاضع لسيطرة الغرب. وقد أعلنتا، أخيراً، عن إنشاء مصرف »بريكس« قريباً وسيكون مقره في شنغهاي ويتولى إدارته هندي.
ويتوقع على ضوء تلك المعطيات أن تعود زيارة جنبينغ للهند بمكاسب اقتصادية هامة، منها أن يعلن الرئيس الصيني عن التزامات استثمارية بقيمة مئة مليار دولار .
ستعمد الصين إلى استثمار سبعة مليارات دولار في بناء المدن الصناعية. وتتضمن لائحة الاستثمارات الأخرى، وفقاً لدبلوماسيين صينيين في الهند، تحديث سكك الحديد، والطرقات السريعة والمرافئ، ومصانع توليد الطاقة، وتوزيعها وتحويلها إضافة إلى التصنيع الغذائي.
لا تزال هناك مساحات هامة تحتاج إلى التطوير بين البلدين. فشكاوى الهند حول عجز الميزان التجاري تعززه مخاوف الإغراق الصيني وعدم وجود حواجز تجارية لاستثمار الهند في الصين. يعتبر التواصل بين الشعبين الهندي والصيني محدوداً جداً، علماً أن السياحة، سيما حج الهنود إلى أماكن مقدسة في التبت، قد تضاعفت.
من الواضح أن الطريق لا تزال طويلة جداً أمام تصنيف العلاقات الصينية الهندية بالوثيقة، إلا أنها تشهد تحسناً. وتشكل زيارة الرئيس جنبينغ حجر أساس البنيان المزمع تشييده بين البلدين.
إصرار على التقدم
تستمر سلسلة من المسائل المثيرة في تلطيخ العلاقة السياسية بين الهند والصين على الرغم من غياب النزاعات الحدودية بينها لعقود من الزمن. لكن رئيس وزراء الهند نارندرا مودي عازم على أن تضم حكومته المنتقدين لمزاعم الصين الإقليمية في بحري جنوب الصين وشرقها، ومصرّ على إعطاء الأولوية لعلاقات الهند مع اليابان وأستراليا، كما مع الدول الحدودية المجاورة.
