كان يمكن للأطراف المحاربة في آسيا، عقب الحرب العالمية الثانية، أن يعضوا على الجرح يحتدموا غيظاً. وكان يمكن لهول الذكريات الدموية والمعارك الضارية ومئات السنوات من العداوة والظلم أن تسمم العلاقات بينهم.

إلا أنهم اختاروا طريق الثراء وجني الأموال. فوضع اليابانيون جانباً القنبلتين الذريتين اللتين سقطتا على اثنتين من مدنهم، ومدّوا اليد إلى الولايات المتحدة. كذلك دفنت الصين خطب الحرب الباردة البلاغية المريرة، وذكريات الاجتياح، وشرعت أبوابها للاستثمار والتجارة مع الولايات المتحدة واليابان. ولم تعترف الصين بوجود تايوان، وظلت تعتبرها مقاطعة متمردة، إلا أن ذلك لم يمنع قيام علاقات اقتصادية متينة بينهما. وتشكل كوريا الجنوبية المستثمر الأساسي، والمستفيد الأول من نمو الصين الهائل، على الرغم من أن بكين تدعم بيونغيانغ، ألّد أعداء سيؤول.

واللائحة تطول. لقد آثرت آسيا، على مدى ستين عاماً، الاندماج الاقتصادي على العداء السياسي. وأسفرت النتيجة عن تطور غير مسبوق في بناء الاقتصاد وزيادة المداخيل وتقليص مستوى الفقر. ما كانت المعجزة الآسيوية لتحصل لو واصل قادة الدول الاقتتال، إلا أن هذا الدرس يتم تناسيه اليوم. فقد رافق تكوّن الثروة والتغير الاجتماعي، موجة من القومية المتنامية، لتفتح الجراح وتطلق عنان الأحقاد القديمة.

لقد أعادت الصين، التي تعتبر من حقها احتلال موقع السلطة المطلقة في شرق آسيا، إشعال فتيل النزاعات الإقليمية مع كل من اليابان والفلبين، وفيتنام، والهند. ودخلت العلاقات اليابانية الأميركية مرحلة من التجمد.

شكلت اليابان أحد أهم الشركاء التجاريين والدول المستثمرة في الصين، إلا أن النزاع الذي نشأ عام 2012، بين البلدين حول الجزر ألحق أضراراً فادحة بالعلاقات الاقتصادية. تتشكل في أفق آسيا اليوم ملامح تكتلات متنافسة، وسيكون على قادة آسيا المجتمعين في قمة »أبيك« في بكين في نوفمبر المقبل، حسم خياراتهم؛ فإما البراغماتية أو الانفعالية.