أصيب العالم بالذهول إزاء قطع رأسي الصحافيين الأميركيين، والعامل البريطاني بفرقة الإغاثة، وصعقته حادثة سقوط الطائرة الماليزية إم إتش 17 فوق شرق أوكرانيا. ويظهر موت هؤلاء الأبرياء العواقب العالمية لأزمتين أساسيتين تتربصان بأوروبا: تقدّم التنظيم المسمى »داعش« في أنحاء العراق وسوريا، والاعتداء الروسي على أوكرانيا. ويعيش السلام والأمن في أوروبا وشمال أميركا تهديداً لم يسبق له مثيل.
ستدوم هذه التحديات سنوات طوالاً، ونحتاج لأن نواجه هذه الحقيقة.
بالنسبة لروسيا، حاول حلف شمال الأطلسي، »ناتو«، جاهداً وطويلاً بناء شراكة تحترم مخاوف روسيا الأمنية، وترتكز على القوانين والمعايير الدولية، إلا أن الأخيرة رفضت للأسف الانضمام إلى الجهود المبذولة، وأطاحت جميع القواعد والالتزامات التي حافظت على السلام في أوروبا وما يليها، منذ نهاية الحرب الباردة. ومن الواضح الآن أن روسيا تنظر إلى الغرب على أنه العدو، لا الشريك.
وتتصاعد وتيرة التهديدات في كل من العراق وسوريا. ويؤجج تنظيم »داعش« نيران الطائفية، التي سبق أن طالت ألسنتها منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا، في ظل ارتفاع مخاطر وصول الشرارات إلى أوروبا.
أوروبا المتأزمة
تواجه أوروبا اليوم قوى الاستبداد، التي ترفض الديمقراطية الليبرالية والنظام الدولي القائم على القوانين والحريات. وفي حين تختلف أجندة تلك القوى وأيديولوجيتها، فإنها تمثل نقيضاً صارخاً للغرب وما يمثله، وهي ستحاول اقتناص كل فرصة ممكنة لتقويض قيم الحرية الشخصية والتحرر والديمقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان.
يتعين على المجتمعات الحرة، في زمن الاضطرابات والمراجعة التاريخية، الصمود والتوحد للدفاع عن حريتها. يجب أن تكون مستعدة للتصرف عندما يحين الوقت لذلك، وأن تتعاون مع الشعوب ذات التفكير المشابه، وأن تبدي ثقة في قيمها الخاصة.
بوتقة التحالف
لقد عززت قمة »ناتو« المنعقدة، أخيراً، في ويلز مبدأ الدفاع المشترك، وأعادت التأكيد على التزام الدول الأساسي بالدفاع عن الحلفاء الـ28 بوجه أي تهديد. وتوافقت على الحفاظ على حضور دائم في شرقي أوروبا لإيجاد قوة رأس حربة مؤلفة من ألوف الجنود القادرين على الانتشار في فترة قصيرة. وتعهدت دول الحلف كذلك بوقف تراجع الإنفاق الدفاعي والتوجه نحو استثمار اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في الدفاع على مدى عقد من الزمن، لأن الحرية لا تأتي من دون مقابل، والأمن لا يقدر بالمال.
الحرية والديمقراطية صنوان
تشكل أوروبا وشمال أميركا قلب المجتمع الدولي النابض، ولا تنبع قوتنا من القدرة العسكرية وحسب، بل من مناعة الديمقراطيات واقتصاداتها. ويتوجب عليها أن تعزز وجود مجتمعات الدول الحرة من خلال التواصل المستمر مع الشركاء في التفكير المشابه، كما يتعين عليها تدعيم اقتصاداتها عن طريق تعزيز التجارة والاستثمار، وإيجاد فرص العمل وإرساء نموذج متين تحتذي به دول العالم. وتحتاج كذلك إلى إنشاء شراكات وثيقة بين الاتحاد الأوروبي، وحلف »ناتو«، وإبقاء الباب مفتوحاً لانضمام أعضاء جدد.
لقد انعكس النظام العالمي الليبرالي، الذي يعانق مبدأ الحرية والديمقراطية واقتصاد السوق والأنظمة والمعايير العامة، ونبذ الغزوات، سلاماً وتطوراً وازدهاراً غير مسبوق على مليارات الناس في العالم، وشكل إنجازاً تاريخياً يستدعي تحليه بثقة أكبر بتلك المبادئ والقيم.
التهديد المتربص
تعتبر تلك القيم اليوم عرضةً للتهديد، فمع الاقتراب نحو نهاية أكثر من عقد على القتال في أفغانستان، تسود نزعة للانغلاق على الذات، لكن العالم لن يصبح مكاناً أقل خطورة بمجرد تمني ذلك، والتهديدات لن تزول بمجرد رغبة العالم في إشاحة النظر عنها. يجب المحافظة على المنظور العالمي ومجابهة منطق العزلة والانكفاء.
إذا فشلت دول النظام الحر في الدفاع عن الديمقراطية، فستستغل قوى الاستبداد الفرصة، لأن التهدئة لا تفضي إلى إحلال السلام، بل تحرض الطغاة. وسيبقى العمل العسكري الخيار الأخير، لكن ينبغي التمكن من استعماله بشكل ناجع عند الحاجة إليه، ليس من أجل شن الحروب، بل لبناء السلام.
إننا نعيش زمناً تتعرض فيه قيم العالم الحر للتحديات والإرادة للاختبارات. لم يكن يوماً الحفاظ على قوة حلف »ناتو« ووحدة أوروبا وشمال أميركا بهذه الأهمية، فهذا هو السبيل الوحيد للحفاظ على الحرية، وحماية الشعوب، وتعزيز القيم.
الملاذ الأخير
نادراً ما تكون القوة العسكرية الردّ الوحيد على الأزمة، إلا أنها غالباً ما تشكل جزءاً أساسياً منه. وترحب أوروبا في هذا الصدد باستراتيجية الرئيس الأميركي باراك أوباما القاضية بإضعاف »داعش«، وصولاً إلى تدميره كلياً، من خلال العمل مع الشركاء وحلفاء دول »ناتو«.
إذا طلبت حكومة العراق الجديدة مساعدة »ناتو«، فيجب أن يكون حاضراً للبحث في مهمة بناء استراتيجية دفاع لتمتين قدرة قوات الأمن العراقية، كما يجب أن يساعد على تنسيق عمليات الدعم الإنساني والنقل الجوي الضروري لتوصيل المعونات. ستعمل الدول المتحالفة بشكل وثيق كذلك على تبادل المعلومات حول المقاتلين الأجانب، الذين قد يشكلون خطراً على بلدان أوروبا.
